الشارع العام مرآة الوعي المجتمعي

د. فردوس عمر عثمان أبومدينة : تكتب…جرعة وعي
*لماذا نحترم قوانين الدول ولا نلتزم بها بالقدر نفسه في بلادنا*؟ من الأسئلة التي تستحق وقفة جادة مع الذات : لماذا يحرص الإنسان على الالتزام بقوانين النظافة والنظام العام في بعض البلدان فيلتزم بلوائحها ويحترم شوارعها ومرافقها ويتجنب إلقاء المخلفات في الأماكن العامة بينما يتساهل في تطبيق السلوك نفسه في بلده وكأن احترام النظام مرتبط بالمكان لا بالقناعة وكأن نظافة الشارع واجب تفرضه القوانين خارج الوطن وليس مسؤولية أخلاقية ووطنية في دواخله؟ إنها مفارقة تكشف جانبا من أزمة السلوك العام وتدعونا إلى مراجعة علاقتنا بالقانون ومدى استشعارنا لمسؤوليتنا تجاه الممتلكات والمرافق المشتركة. فالقيم التي نلتزم بها تحت رقابة القانون ينبغي أن تكون جزءا من سلوكنا حتى في غياب الرقيب لأن احترام النظام لا ينبغي أن يكون خوفا من العقوبة بل اقتناعا بحق الآخرين في بيئة نظيفة ومنظمة وإدراكا بأن المصلحة العامة مسؤولية لا تسقط عن أحد. بجانب إن إلقاء النفايات في الشوارع وتشويه المرافق العامة، وترك المخلفات في الأسواق والحدائق والشوارع وأماكن التجمعات، ليست تفاصيل عابرة ولا ممارسات بسيطة يمكن التغاضي عنها إنها سلوكيات تتراكم آثارها لتصنع بيئة طاردة وتضاعف أعباء الجهات المسؤولة عن النظافة وتسيء إلى المظهر الحضاري للمدن. فما الذي يضير الإنسان لو احتفظ بمخلفاته حتى يجد المكان المخصص لها؟ وما الذي ينقص من قدره لو ساهم في نظافة الشارع بدلا من تلويثه؟ فعمال النظافة يؤدون واجبا يستحق التقدير والجهات المختصة تتحمل مسؤولية توفير الخدمات وتنظيمها لكن نجاح هذه الجهود يظل مرهونا بتعاون المجتمع معها. فلا يعقل أن نطالب بشوارع نظيفة ثم نمارس سلوكيات تعيدها إلى الفوضى ونحمل المسؤولين وحدهم نتائج تصرفات يستطيع كل فرد أن يتجنبها بقدر يسير من الانضباط والمسؤولية. وليس المقصود من هذه الدعوة إعفاء المؤسسات من واجباتها فحسب بل التأكيد على أن المسؤولية متكاملة تبدأ بتوفير الخدمات والحاويات في المواقع المناسبة، واستمرار أعمال النظافة مع تطبيق اللوائح والقوانين على المخالفين وتمتد إلى التزام الأفراد بالمحافظة على الأماكن العامة واحترام حقوق الآخرين. فالشارع العام ملك للجميع ونظافته مسؤولية واحترامه اختبار حقيقي للرقي السلوكي. فالحضارة منظومة قيم تظهر في أبسط تفاصيل الحياة اليومية وفي الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع المكان العام الذي يتقاسمه مع الآخرين. دعونا نراجع سلوكنا قبل أن نرفع أصواتنا بالمطالب ولنبدأ من أبسط الواجبات : ضع نفاياتك في مكانها وحافظ على نظافة الطريق واحترم المرافق العامة وكن قدوة لمن حولك. فليس السؤال هنا : من المسؤول عن نظافة الشارع؟ بل : ما مسؤوليتنا نحن عن بقائه نظيفًا؟
جرعة وعي : لا تجعل احترامك للقانون رهينا بحدود دولة أو وجود رقيب فالسلوك الحضاري قيمة يحملها الإنسان معه أينما كان وحيثما ذهب والوطن أولى بأن نمنحه فيه أجمل ما تعلمناه من احترام النظام وصون المصلحة العامة.
*هذا مع كامل الود والتقدير*



