الأعمدة ومقالات الرأي

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد 

دكتور مزمل سليمان حمد يكتب….

حين تتحول الدولة إلى لجنة… من يحمي الموظف السوداني من قرارات الغرف المغلقة؟

في أكثر اللحظات قسوةً التي يعيشها السودانيون، وبينما تكابد آلاف الأسر آثار الحرب والنزوح وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات، يخرج قرار تشكيل لجنة فنية لحصر وتقليص العاملين بالدولة وكأنه رسالة باردة في توقيتٍ بالغ الحساسية، لا تراعي حجم المعاناة التي يعيشها الموظف السوداني، ولا تدرك أن الوظيفة العامة اليوم لم تعد مجرد مرتب آخر الشهر، بل صارت آخر خيط نجاة لكثير من الأسر التي فقدت كل شيء.

القرار الذي صدر عن وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، وإن جاء متدثراً بعبارة “بناءً على توجيه رئيس مجلس الوزراء”، يثير أسئلة أكبر بكثير من صياغته الإدارية المعتادة. فالقضية هنا ليست مجرد لجنة فنية أو مراجعة كشوفات أو إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وإنما قضية تمس مصير مئات الآلاف من العاملين في الخدمة المدنية، في ظرف استثنائي تعيش فيه البلاد حالة حرب وانهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

لا أحد يختلف على أن الخدمة المدنية السودانية تحتاج إلى إصلاح حقيقي، ولا أحد ينكر وجود ترهل إداري أو وظائف متداخلة أو حتى حالات فساد ووظائف وهمية تراكمت عبر سنوات طويلة. لكن الإصلاح شيء، وفتح الباب لتقليص واسع وغامض للعمالة شيء آخر تماماً. الإصلاح يبدأ ببناء مؤسسات عادلة، لا بإثارة الذعر وسط الموظفين الذين لا يعلمون إن كانوا سيستيقظون غداً على قرار ينهي مصدر رزقهم الوحيد.

الأخطر في هذا القرار أنه لم يأتِ مصحوباً بمعايير واضحة للرأي العام. لم تُعلن أسس الاختيار، ولا الضمانات القانونية، ولا آليات التظلم، ولا طبيعة الفئات المستهدفة، ولا كيفية حماية الكفاءات الوطنية من الإقصاء أو الاستبعاد الانتقائي. ولذلك فإن التخوفات التي انتشرت وسط العاملين ليست ناتجة عن سوء فهم، بل عن غياب الشفافية نفسها.

كيف يمكن إقناع موظف أفنى عمره في الخدمة العامة بأن الدولة تبحث عن “إعادة هيكلة”، بينما يرى بأم عينه مسؤولين وإدارات تجاوزوا سن المعاش بسنوات طويلة وما زالوا يتمسكون بالمناصب والامتيازات؟ كيف يُطلب من صغار الموظفين التضحية، بينما بعض القيادات الإدارية ما تزال جاثمة على المواقع نفسها، رغم أن اللوائح التي يُراد تطبيقها على الضعفاء كان يفترض أن تُطبق عليهم قبل غيرهم؟

هذه هي المعضلة الأخلاقية قبل أن تكون إدارية أو قانونية.

وفي الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون تتجلى الصورة بأكثر أشكالها قسوة ووضوحاً. فالعاملون هناك يعيشون منذ سنوات حالة من التهميش والإبعاد والإهمال الوظيفي، بينما بقيت مواقع بعينها محصنة بصورة تثير الاستغراب. موظفون حقيقيون أُبعدوا من مواقعهم أو جرى تجميد أدوارهم أو تُركوا بلا حقوق واضحة، في حين استمرت بعض القيادات في مواقعها رغم تجاوز سن المعاش بسنوات طويلة. فكيف تُفهم العدالة هنا؟ وكيف يقتنع العامل البسيط بأن الدولة تريد إصلاح الخدمة المدنية وهي لم تبدأ أولاً بتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء؟

إن أي حديث عن تقليص العاملين دون معالجة هذه الاختلالات البنيوية سيبدو وكأنه انتقائية مقنّعة لا إصلاحاً مؤسسياً. فالعدالة لا تُجزأ، والقانون لا ينبغي أن يتحول إلى سيف على رقاب الضعفاء فقط.

ثم إن السؤال القانوني يظل قائماً بقوة: هل تملك حكومة انتقالية تعمل في ظل غياب المجلس التشريعي صلاحية اتخاذ قرارات بهذا الحجم والتأثير؟ فهذه ليست إجراءات روتينية داخل مؤسسة صغيرة، وإنما عملية قد تعيد تشكيل الخدمة المدنية السودانية بالكامل، بما يحمله ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية وقانونية ممتدة لسنوات.

إن الخوف الحقيقي ليس من “تقليل العدد” في حد ذاته، بل من الطريقة التي قد يُدار بها هذا الملف. لأن التجارب السودانية السابقة علمتنا أن بعض اللجان تبدأ تحت لافتة الإصلاح وتنتهي إلى إعادة إنتاج التمكين بصورة جديدة، أو تكريس المحسوبية، أو تصفية الحسابات، أو صناعة ولاءات داخل أجهزة الدولة تحت شعارات براقة.

والسؤال المشروع الذي يتردد اليوم في مجالس الناس ليس: هل تحتاج الدولة إلى إصلاح؟ بل: من الذي سيُصلِح الإصلاح نفسه؟

فإذا كانت الحكومة جادة فعلاً في بناء جهاز مدني كفء، فإن البداية الصحيحة لا تكون بتخويف الموظفين، وإنما بوضع رؤية وطنية واضحة تعترف أولاً بأن العاملين في الدولة ليسوا أرقاماً في كشوفات، بل بشر يعيشون أوضاعاً مأساوية. كثير منهم نزحوا، وفقدوا مساكنهم، وبعضهم يعمل في ظروف شديدة التعقيد، ومع ذلك ظلوا يحافظون على ما تبقى من مؤسسات الدولة من الانهيار الكامل.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من مكافحة الامتيازات غير المبررة، وضبط التعيينات السياسية، وإغلاق أبواب المحسوبية، وتفعيل قوانين الخدمة المدنية الموجودة أصلاً، لا اختراع لجان فوقية تمنح سلطات واسعة دون رقابة شعبية أو برلمانية.

كما أن أي عملية هيكلة محترمة في العالم تُبنى على معايير معلنة: الكفاءة، التخصص، الحاجة الفعلية، الأداء، العدالة بين العاملين، وحق الاستئناف والتظلم. أما أن يتحول مستقبل آلاف الأسر إلى توصيات تصدرها لجنة محدودة العدد في ظرف سياسي مضطرب، فذلك أمر يفتح أبواب الشك والخوف على مصراعيها.

السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من القرارات المرتبكة. الدولة تحتاج إلى إعادة بناء، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى بناء الثقة بينها وبين مواطنيها. والثقة لا تُبنى بالإقصاء والغموض، بل بالعدالة والشفافية واحترام الإنسان.

أما العاملون في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وفي بقية مؤسسات الدولة، فمن حقهم أن يسألوا: لماذا يُطلب من البسطاء دفع فاتورة الإصلاح دائماً، بينما يظل الكبار خارج دائرة المساءلة؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عليه الحكومة قبل أي لجنة، وقبل أي قرار، وقبل أن يتحول الإصلاح نفسه إلى أزمة جديدة تضاف إلى أزمات الوطن المثقل بالجراح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى