د.البشير الحسن ابو نخل يكتب : قرار بنك السودان بشأن الذهب كضمان لإستيراد الوقود: جدل بين ضبط النقد الأجنبي ومخاطر تشوهات السوق

- *د. البشير الحسن أبونخل*
متابعات: ريام نيوز
أثار قرار بنك السودان المركزي، ولا يزال يثير جدلاً إقتصادياً، بعد إشتراطه إيداع 200 كيلوجرام من الذهب عيار 21 كضمان لإصدار شهادات إستيراد المحروقات. وينقسم المراقبون بين من يرى فيه محاولة لكبح أزمة النقد الأجنبي وضبط عمليات الإستيراد، وبين من يعتبره خطوة قد تؤدي إلى مزيد من التشوهات في السوق وإرباك بيئة الأعمال.
ويأتي القرار في سياق أزمة إقتصادية معقدة تعاني فيها البلاد من شح حاد في النقد الأجنبي، وتذبذب في سعر الصرف، وضغوط متزايدة على ميزان المدفوعات، إلى جانب إرتفاع كلفة إستيراد الوقود نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية وإرتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين. وبحسب تعميم بنك السودان المركزي، فإن منح شهادات إستيراد المنتجات البترولية أصبح مشروطاً بإيداع الكمية المحددة من الذهب، مع التأكيد على إستكمال إجراءات التحقق من التغطية خلال فترة لا تتجاوز 21 يوماً.
ورغم أن القرار يمكن قراءته ضمن محاولات البنك المركزي اللجوء إلى أدوات غير تقليدية لتقليل الضغط على النقد الأجنبي، فإن التساؤل الجوهري يظل قائماً حول مدى إستناده إلى أساس إقتصادي متكامل، أم أنه يمثل إستجابة مباشرة لأزمة سيولة حادة دون دراسة كافية لتداعياته.
من الناحية النظرية، يمكن إدراج هذا النوع من السياسات ضمن أدوات القيود على النقد الأجنبي (Exchange Controls)، أو إستخدام الأصول الحقيقية مثل الذهب كضمان بديل في ظل ضعف العملة المحلية. غير أن هذه الأدوات عادة ما تُستخدم في حالات إستثنائية ولفترات محدودة، بإعتبارها إجراءات طارئة لا سياسات هيكلية دائمة.
غير أن الإشكال في (حالة السودان) لا يكمن في المبدأ، بل في آلية التطبيق. فإشتراط كميات كبيرة من الذهب كضمان للإستيراد قد يؤدي إلى خلق طلب إضافي على المعدن النفيس في السوق المحلي، ما يرفع أسعاره بصورة لا تعكس قيمته العالمية، ويحدث تشوهات في سوق الذهب الذي يُعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد.
كما أن تحويل الذهب إلى شرط إلزامي للإستيراد قد يدفع بعض الشركات إلى تقليص نشاطها أو الخروج من السوق، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على إستقرار إمدادات الوقود، ويزيد من الضغوط التضخمية على الإقتصاد المحلي. ويضاف إلى ذلك حالة عدم اليقين التي يخلقها القرار فيما يتعلق بآليات التقييم والإسترداد، سواء من حيث سعر إحتساب الذهب، أو طريقة إسترداده، أو الجهة المسؤولة عن إدارة الضمان.
في المقابل، أعلنت الغرفة القومية لمستوردي المنتجات البترولية رفضها القاطع للقرار، معتبرة أنه لا يعالج جذور أزمة سعر الصرف، بل ينقل عبء الإختلالات الإقتصادية إلى القطاع الخاص. وأشارت إلى أن تدهور العملة الوطنية يعود إلى عوامل كلية مرتبطة بعجز الميزان التجاري وتراجع الصادرات والتوترات الجيوسياسية، وليس إلى ممارسات الشركات المستوردة.
كما حذرت الغرفة من أن إشتراط الذهب سيؤدي إلى زيادة الطلب عليه محلياً، وبالتالي إرتفاع سعره عن السعر العالمي، وهو ما يخلق بدوره تشوهاً إضافياً في تكلفة الإستيراد المقوم بالعملات الحرة. وأكدت أن القرار يفتقر إلى الوضوح في عدد من الجوانب التشغيلية، مثل طبيعة الضمان، وآلية إحتسابه، وشروط إسترداده، وهو ما يفاقم المخاطر التشغيلية على الشركات ويزيد من حالة عدم اليقين.
إقتصادياً، تبدو هذه المخاوف ذات وجاهة، إذ إن غياب الوضوح التشريعي والمالي في مثل هذه السياسات يؤدي إلى زيادة ما يُعرف بـ”مخاطر عدم اليقين”، وهو عامل سلبي مباشر على الإستثمار وإستقرار الأسواق، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الوقود.
ويطرح القرار تساؤلات أوسع حول ما إذا كان يمثل سياسة إقتصادية مدروسة ضمن إطار إصلاح شامل، أم أنه إجراء تفاعلي فرضته ضغوط الأزمة الحالية. فغياب التفاصيل التنفيذية الكاملة، وعدم وضوح الإطار التشاوري مع القطاع الخاص، يشيران إلى أن القرار أقرب إلى المعالجات السريعة منه إلى السياسات الهيكلية طويلة المدى.
وفي ضوء ذلك، تبدو كفة المخاطر أقوى من كفة المنافع على المدى القصير، رغم إمكانية تحقيق بعض المكاسب المؤقتة في تقليل الطلب على النقد الأجنبي. غير أن هذه المكاسب قد تتآكل أمام ارتفاع تكاليف الإستيراد، وإضطراب سوق الذهب، وتراجع المنافسة في قطاع حيوي مثل الوقود.
أمام هذا الجدل، يبرز خيار بديل يقوم على إصلاح سوق النقد الأجنبي بشكل تدريجي، عبر توحيد سعر الصرف وتقليل الفجوة بين السوق الرسمي والموازي، إلى جانب إستبدال الضمانات العينية الجامدة مثل الذهب بأنظمة أكثر مرونة، كخطابات الضمان المصرفية أو التأمينات المالية الجزئية.
كما يظل تعزيز الصادرات وتنويع مصادر النقد الأجنبي، خاصة عبر الذهب والقطاع الزراعي والصناعي، خياراً إستراتيجياً أكثر إستدامة من تقييد الإستيراد. ويكتمل ذلك بإشراك القطاع الخاص في صياغة السياسات المالية والنقدية، بما يضمن تقليل فجوة المعلومات وتحسين قابلية تنفيذ القرارات.
في المحصلة، يعكس قرار بنك السودان المركزي محاولة للتعامل مع أزمة نقد أجنبي ضاغطة، لكنه يفتح في الوقت ذاته نقاشاً واسعاً حول حدود التدخل النقدي في الإقتصاد، ومدى قدرة السياسات غير التقليدية على تحقيق الإستقرار دون خلق إختلالات جديدة قد تكون أكثر تعقيداً من الأزمة نفسها.



