مقالات

في بريد وزير التعليم العالي والبحث العلمي معالي البروفيسور/ أحمد مضوي موسى

د. فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…

*رئيس المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي*

*الجامعات التي ما زالت مقراتها تحت سيطرة المليشيا… بين استحالة التنفيذ وعدالة القرار*

معالي الوزير..

تابعنا قراركم الكريم الخاص بعودة مؤسسات التعليم العالي إلى مقارها الأصلية، ونحن ندرك أن عودة الجامعات إلى موطنها الطبيعي هدف وطني نتطلع إليه جميعا ولا يختلف عليه اثنان، فهو مطلب ظل ينشده كل أستاذ وطالب وإداري منذ أن فرضت الحرب واقع النزوح والتشريد على مؤسساتنا التعليمية. ولكن نجاح أي قرار لا يتحقق بمجرد صدوره، وإنما بعدالة تطبيقه، ومراعاة اختلاف الظروف بين الجامعات، فالعدالة ليست في مساواة المختلفين، وإنما في إنصاف كل حالة بما يناسب واقعها. فتقتضي التفريق بين الجامعات التي أصبحت تعمل من داخل مقار إنشائها الآمنة حسب قراركم ، وبين الجامعات التي ما زالت مقراتها الرئيسة تحت سيطرة المليشيا، واتخذت مواقع بديلة لها أو لا تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات التشغيل. وحتى اليوم ما زالت كلياتها العلمية تعمل باستضافات مؤقتة داخل جامعات أخرى مكتملة البنية وهذه ليست بالمشكلة فمؤسسات التعليم العالي كالجسد الواحد يشد بعضه بعضة واذا نظرنا إلى واقع الكليات الإنسانية بهذه الجامعات تكاد تكون بلا طلاب حضوريا، لأن السواد الأعظم من طلابها ينحدرون من المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيا نفسها في إقليمي كردفان الكبرى ودار فور الكبرى، ولذلك يتم التدريس إلكتروني بأعداد محدودة جد ولا أبالغ ان تبدأ المحاضرة بطالبين أو ثلاثة، وقد لا يتجاوز الحضور في أفضل الأحوال عشرة طلابا وتنعقد الامتحانات لأعداد قليلة للغاية، ومع ذلك تستمر الجامعة في أداء رسالتها بما تيسر من إمكانات حفاظا على مستقبل الطلاب وعدم انقطاع العملية التعليمية.

وعلى الرغم من ذلك صدر استدعاء شامل لجميع أعضاء هيئة التدريس دون مراعاة لاختلاف الظروف وكأن الجميع يعمل في بيئة واحدة، بينما الحقيقة غير ذلك تماما فنحن نعمل في بيئة غير بيئتنا ومقرات ليست بمقرات الإنشاء الأصلية.

معالي الوزير..

أوضاع الأساتذة لا تخفى عليكم.

ففي الكليات العلمية اضطر عدد من الزملاء إلى التقدم بإجازات دون رواتب لعدم قدرتهم على الانتقال أو مباشرة العمل في ظل هذه الظروف أما أساتذة الكليات الإنسانية فإن واقعهم أكثر تعقيدا، فمنهم من لا يزال داخل المناطق التي تسيطر عليها المليشيا فيستحيل خروجه منها وربما تعرض حياته للخطر او ربما اعتقل ثم يطالب اهله بفديه بحجة ان هؤلاء فلنقايات يعملون مع الدولة ، وفيهم أعداد كبيرة لجؤوا إلى دول الجوار منها على سبيل المثال ليبيا تشاد جنوب السودان بطرق اضطرارية مع أسرهم والكثير منهم لا يملكون حتى أوراقا ثبوتية تمكنهم من السفر النظامي، بينما يقيم آخرون في مصر، وقلة قليلة في دول الخليج. أما قرار العودة الإلزامي لهم في ظل هذه الظروف وإنما ترتبط بواقع اقتصادي وأمني بالغ القسوة.

فتكاليف السفر أصبحت تفوق قدرة الأستاذ الجامعي، وقد تصل تكلفة انتقال الأسرة الواحدة إلى مبالغ باهظة، في وقت لم تعد فيه الرواتب تكفي أساسيات المعيشة، فضلا عن إيجار السكن، ورسوم دراسة الأبناء، ومتطلبات الحياة اليومية.

كما أن العودة البرية عبر الصحراء أصبحت محفوفة بالمخاطر بعد سيطرة المليشيا على أجزاء واسعة من تلك الطرق، فأصبح كثير من الأساتذة لا يملكون طريقا آمنا ولا قدرة مالية على العودة واذا وجدت وحلت مشكلة الأوراق الثبوتية فدخولهم غير الرسمي يشكل حجر عثرة ثم ان واقع الاستاذ الجامعي في مصر ودول الخليج لا يخفي عليك فقد رضو بواقع لا يتناسب معهم وتقف قلة الرواتب وارتفاع تكاليف التذاكر حجر عثرة امام أسرهم.

لقد وجد الأستاذ الجامعي نفسه بين مطرقة الالتزام بقرار الوزارة من اجل عودة الجامعات وانتظام العملية الدراسية ، وسندان التهديد بالغياب أو الفصل من الادارات إذا حالت ظروف دون الحضور في الوقت المحدد، بينما الجامعة نفسها لا تعمل من مقرها الأصلي والراتب لا يحتمل أعباء الانتقال من دولة أخرى إلى السودان أو الاستقرار في مدينة جديدة، وكما ولا بد ان أشير انه لا توجد ترتيبات للسكن أو الترحيل من ادارات الجامعات نفسها نحو منسوبيها من الاساتذة، الأمر الذي يجعل تنفيذ القرار، في ظل هذه الظروف، فوق طاقة كثير منهم.

معالي الوزير..

لسنا رافضين للعودة، ولسنا متقاعسين عن أداء واجبنا الوطني والأكاديمي، بل نؤكد لكم التزامنا الكامل بالعودة متى ما تيسرت أسبابها، ومتى ما وفرت الوزارة الحد الأدنى من متطلبات تنفيذ قرارها، وفي مقدمتها:

* التمييز بين الجامعات التي عادت فعلا إلى مقارها، والجامعات التي ما زالت مقراتها تحت سيطرة المليشيا أو تعمل من مقرات مؤقتة.

* النظر في الإجراءات الإدارية وفي مقدمتها نهج اي عقوبات بحق أعضاء هيئة التدريس الذين حالت الظروف الأمنية والاقتصادية دون عودتهم في الوقت المحدد.

* توفير دعم أو ترتيبات لعودة الأساتذة من الخارج عبر تفعيل برنامج العودة الطوعية مع ترتيب اوضاع الاساتذة الذين لا يحملون أوراق ثبوتية أو على الأقل منحهم مهلة واقعية تتناسب مع ظروفهم.

* توفير سكن وترحيل مؤقت للأساتذة الذين سيباشرون العمل خارج ولاياتهم الأصلية.

* السماح باستمرار أنماط التدريس الحالية إلى حين اكتمال عودة الطلاب وتهيئة البيئة الجامعية.

معالي الوزير..

ونلتمس منكم أيضاً أن تفتحوا باب الاستماع المباشر إلى أعضاء هيئة التدريس وممثلي الجامعات المتضررة، وألا تعتمد الوزارة في تكوين الصورة الكاملة على التقارير الإدارية وحدها. فمع كامل الاحترام والتقدير لمديري الجامعات، إلا أن بعض التقارير قد تزين الواقع أو تغفل جوانب المعاناة الحقيقية، فتظهر الأمور على غير ما هي عليه في الميدان. أما الأستاذ الجامعي، فهو الذي يعيش تفاصيل الأزمة يوميا، ويعايش ظروف الطلاب، ويعرف حقيقة الإمكانات المتاحة والعقبات القائمة، ومن ثم فإن إشراكه في عرض الواقع والاستماع إلى رؤيته سيجعل القرار أكثر عدلا، وأقرب إلى النجاح، وأكثر اتساقا مع أهداف الوزارة.

معالي الوزير..

لقد صبر الأستاذ الجامعي السوداني على الحرب والنزوح والتشريد وانقطاع المرتبات وضعفها، وحافظ على استمرار العملية التعليمية في أصعب الظروف، ولم يتخل يوما عن رسالته. وإن أقل ما يرجوه اليوم هو أن ينظر إلى ظروفه بعين العدل، وأن يعامل بما يليق بمن حمل رسالة العلم في زمن كانت فيه كل أسباب التوقف قائم.

نثق في حكمتكم، وفي حرصكم على ترسيخ مبادئ العدالة داخل مؤسسات التعليم العالي، ونأمل أن تجد هذه المناشدة ما تستحقه من نظر عاجل، وأن تتاح الفرصة لسماع صوت الأساتذة كما يسمع صوت الإدارات، فبالحوار الصادق، واستكمال الصورة من جميع أطرافها، تصنع القرارات الرشيدة، وتستقر الجامعات، ويصان الأستاذ، ويطمئن الطالب، وتؤدي مؤسسات التعليم العالي رسالتها على الوجه الذي يليق بالسودان.

ونسأل الله أن يوفقكم لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يسدد خطاكم، ويعينكم على حمل هذه الأمانة، وأن يجعل العدل والإنصاف عنوانا لكل قرار يصدر عن وزارتكم، وأن يكتب لكم أجر كل جهد يسهم في حفظ الجامعات وصيانة كرامة الأستاذ الجامعي وخدمة مستقبل أبنائنا الطلاب.

والله ولي التوفيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى