مقالات

لماذا نشوه صورة السودان؟

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…

كثرت علي الأسئلة منذ أن وطأت رجلي تراب بلدي قبل أيام قليلة كيف وجدته؟ وهل ما زال صالحا للعيش؟ وكانت إجابتي أنني لم أعد لأحكي ما سمعته وإنما ساقَتني إلى الوطن بعض الواجبات التي كان لا بد من أدائها وحنين لا يقاوم إلى أمي وأهلي ورغبة في أن أقف بنفسي على أحوال بلادي وأرى الواقع كما هو فليس من رأى كمن سمع. وكانت إجابتي عن السؤالين أطول من أن تختصرها كلمات عابرة فآثرت أن أكتب ما رأيته وعشته بنفسي، بعيدا عن المبالغة والتهويل وبعيدا كذلك عن إنكار ما خلّفته الحرب وما ارتكبته هذه المليشيا من جراح غائرة في الوطن والإنسان

وفي مثل هذا الموعد من العام الماضي نزلت إلى السودان بعد أربعة أشهر فقط من سقوط مدينتي الحبيبة النهود في أيدي البغاة وكان المشهد يومها مثقلا بالحزن، وكانت آثار الحرب والدمار حاضرة في تفاصيل الحياة. أما هذا العام، وفي التاريخ ذاته فقد عدت لأجد سودانا مختلفا سودانا يتعافى ويستعيد عافيته خطوة بعد خطوة. فرأيت مساحات واسعة من أرض الوطن قد تحررت ورأيت القوات المسلحة والقوات المساندة لها تقف خلف مواطنيها ويساندونها هم بقناعة وتؤدي دورها في حماية الوطن والمواطن فهي صمام أمان البلاد ودرعها الحصين في مواجهة الأخطار ورأيت سيادة الدولة، رغم عِظم التحديات تبذل الغالي والنفيس من أجل إعادة الإعمار والخدمات وتهيئة الحياة للعودة إلى طبيعتها. رأيت الطلاب يملؤون الشوارع في طريقهم إلى مدارسهم والجامعات تستعيد نشاطها وقد عادت إليها الحياة ووزيرها الهمام يقف بنفسه عليها ويستقبل العائدون بنفسه بترحاب واهتمام وقد ازدانت مبانيها وعاد أساتذتها ومنسوبوها إلى ميادين العلم والعمل. رأيت المؤسسات تزاول أعمالها والأسواق تعج بالناس والمواصلات مكتظة والحركة تدب في الشوارع. رأيت أعمال الإعمار تتحرك وجهودا تبذل لإعادة ما دمرته أيادي البغى والعدوان وإصلاح ما يمكن إصلاحه واستعادة الخدمات وتحريك عجلة التنمية من جديد.

نعم ما زالت هناك تحديات وآثار للحرب ولا أحد يستطيع أن ينكر حجم المعاناة. لكن السؤال الذي أجد نفسي مضطره لطرحه هو:

لماذا نصر على تقديم السودان للعالم من خلال أسوأ صوره فقط؟

لماذا ننقل الخراب ولا ننقل الإعمار؟ لماذا نتحدث عن الألم ولا نتحدث عن التعافي؟ لماذا نري العالم وطنا منكسرا ونخفي عنه وطنا يقاوم وينهض ويستعيد حياته؟ صدقوني نقل الحقيقة حق والنقد المسؤول ضرورة ولكن الإنصاف يقتضي أن ننقل الصورة كاملة، لا أن نختزل السودان في الحرب. لقد عرفت الغربة وعرفت معنى أن يبتعد الإنسان عن وطنه قسرا. واليوم وأنا أسير في وطني حتى دون بطاقة هوية أشعر بشيء لا تمنحه الغربة أشعر أنني في مكاني، بين أهلي، وتحت سماء بلادي. ولهذا أقول لكل سوداني وسودانية:

عودوا متى ما تهيأت لكم الظروف، وساهموا في بناء وطنكم.

فالأوطان لا تبنى بالانتظار والروايات الخادعة ولا تنهض بالفرجة من بعيد وإنما تنهض بسواعد أبنائها بعلمهم وخبراتهم وإرادتهم وإخلاصهم. فالسودان الذي ساهم أبناؤه في بناء دول كثير ورفدها بالعلماء والأطباء والمهندسين والمعلمين والخبراء قادرا على أن يبني نفسه من جديد، وأن يعود أقوى مما كان. بل إن السودان، بما يملك من موارد وثروات وبما يملكه أهله من عزيمة وصبر وخبرة قادرا على أن يصبح من جديد دولة يشار إليها بالبنان كما تنبأ شيخنا فرح ود تكتوك. ولن يفعل ذلك أحدا نيابة عنا.

نحن أبناؤه ونحن القادرون على إعادة بنائه.

لذلك لا تجملوا الخراب، ولكن لا تجملوا اليأس ايضا. لا تنكروا الألم، ولكن لا تقتلوا الأمل.

كفى غربة.

كفى تخويفا.

كفى اختزالا للسودان في صورة الحرب. قولوا للعالم إن السودان يتألم نعم، لكنه يتعافى.

وإنه جريح، لكنه نهض.

وإنه أنهكته الحرب، لكنه يستعيد الحياة وعافيته. فالسودان ليس صورة للحرب… السودان وطن للحياة.

وسيعود بإذن الله، أقوى وأجمل، بعزيمة رجاله ونسائه، وبسواعد أهله، وبإرادة شعب لم تنل منه المحن، ولن تنال منه أبدا روايات العملاء الكاذبة.

*هذا مع كامل الود*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى