الهجوم على خالد الإعيسر.. انتقدوا أداء الوزير ولا تحاكموا الرجل في شخصه

علي منصور حسب الله يكتب…ضل الحراز
الهجوم على وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذ خالد إسماعيل أحمد علي الإعيسر لو جاء من غرف مليشيا الدعم السريع لكان بالنسبة لنا مفهوماً فالرجل قبل أن يتولى هذا المنصب كان بمثابة خط دفاع أول عن الوطن ولم يكن من الذين انتظروا حتى يتولوا موقعاً دستورياً ليعلنوا مواقفهم الوطنية واللافت أن كثيراً ممن يبرزون اليوم في انتقاد الإعيسر لم يكونوا في الوقت الذي كان فيه الرجل يخوض معركته الإعلامية في مقدمة الصفوف للدفاع عن الوطن أو لإسناد القوات المسلحة ولذلك فإن اختلافهم معه اليوم لا يزعجنا في حد ذاته فالاختلاف والنقد حق مشروع لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما الذي ينتقدونه فيه تحديداً؟ وما هو المأخذ على أدائه بوصفه وزيراً؟ فلو جاء الهجوم على الإعيسر من جماعة (لا للحرب) لكان الأمر أيضاً مفهوماً لأن الرجل أعلن بوضوح موقفه من الحرب ومن المعركة الوطنية ولم يخفِ انحيازه إلى جانب الدولة والقوات المسلحة في مواجهة مليشيا الدعم السريع أما الإعيسر الذي نال لقب (السوخوي) والذي يصفه البعض بـ(زعيم البلابسة) فقد ظل طوال الفترة الماضية واحداً من أكثر الأصوات الإعلامية وضوحاً في مواجهة استهداف السودان ولم يكن غريباً أن يصبح هدفاً دائماً للخصوم السياسيين والإعلاميين و لو جاء الهجوم على خالد الإعيسر من الغرف الإعلامية التي تتحرك وفق موجهات جماعة حمد حسين اليامي المعروف إعلامياً بحمد المزروعي؟ والمزروعي شخصية إماراتية مثيرة للجدل واشتهر بتغريداته ومواقفه الحادة خلال الأزمة الخليجية التي اندلعت في عام 2017 ومن أكثر ما أثار الجدل تغريدة نُسبت إليه حينها كان مسؤول الإعلام في السفارة بلاده بالخرطوم جاء فيها (كل شيء موثق بالكاميرا ولدينا الكثير من المقاطع ولن يستطيع أحد الخروج عن أهداف الإمارات وتنفيذ مصالحها ومن يفكر يخرج عن أهدافنا سيجد المقاطع قد انتشرت في جميع المواقع) وقد أعادت هذه التغريدة التي تداولتها مواقع ووسائل إعلام متعددة فتح باب واسع للنقاش حول طبيعة الخطاب الذي كان سائداً في تلك المرحلة وحول ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد تحولت إلى أدوات للضغط والابتزاز السياسي والإعلامي وفي السياق نفسه نُسب إلى الإعلامي والكاتب القطري جابر سالم الحرمي رئيس تحرير صحيفة الشرق سابقاً ونائب الرئيس التنفيذي لمجموعة دار الشرق الإعلامية تعليق قال فيه (المرتزقة الذين يتسابقون للدفاع عن الإمارات ليس طمعاً بمالها فحسب بل خوفاً من فضائح الأفلام التي تم تصويرهم بها في أوضاع مختلفة) وهنا لا بد من التوقف قليلاً لسنا بصدد إصدار أحكام على أشخاص أو جماعات استناداً إلى منشورات متداولة ولا نريد أن نضع كل ناقد للإعيسر في خانة واحدة لكننا نتحدث عن السياق الإعلامي والسياسي الذي يجعل بعض حملات الهجوم بحاجة إلى قراءة أعمق من مجرد النظر إلى مضمون المنشور أو التغريدة فخالد الإعيسر لم يكن مجرد وزير يجلس اليوم في مكتبه ويدير وزارة من وزارات الدولة بل كان قبل الوزارة صوتاً إعلامياً معروفاً بمواقفه الصريحة تجاه القضايا السودانية وكان من غلاة المعارضين لحكومة البشير وكان من أوائل الذين هاجموا الإمارات علناً في سياق موقفه من الحرب السودانية ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يصبح اسمه حاضراً في المعارك الإعلامية المضادة ولذلك فإن السؤال المشروع ليس هل يجوز انتقاد خالد الإعيسر؟ بالطبع يجوز بل السؤال هو هل يُنتقد خالد الإعيسر لأنه وزير أم لأنه خالد الإعيسر؟ هناك فرق كبير بين الأمرين إذا كان هناك تقصير في الإذاعة والتلفزيون فليُكشف هذا التقصير بالأرقام والوقائع
وإذا كانت هناك مشكلة في أداء وكالة السودان للأنباء (سونا) فليُقدم المنتقدون الأدلة وليحددوا المسؤوليات وليقولوا أين أخفقت الوزارة وأين كان يمكن للإعيسر أن يفعل أكثر لكن إذا تابعنا ما أنجزه الرجل في هذه الملفات يعتبر معجزة وإذا كان هناك تراجع في العمل الثقافي فليكن النقد واضحاً ومحدداً ما البرامج التي توقفت؟ وما المؤسسات التي تراجعت؟ وما الذي كان يمكن للوزارة القيام به ولم تفعله؟ لأنه في هذا الملف قام بعمل يفوق الخيال وإذا كان هناك قصور في السياحة فليُطرح الملف بأرقامه ومؤشراته وخططه وليُسأل الوزير عن ما تحقق وما لم يتحقق وإذا كانت هناك مشكلات في الآثار وحماية التراث فليكن النقد موجهاً إلى السياسات والقرارات والنتائج لا إلى شخص الوزير ومواقفه السياسية هذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها فالوزارة لها أضلاع واضحة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة وهذه هي الملفات التي ينبغي أن يكون عليها التقييم
أما أن نحمّل وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار مسؤولية بعيدة عن حدود صلاحياته مثل تراجع الجنيه السوداني أمام الدولار أو ارتفاع الأسعار أو إخفاقات الملفات الاقتصادية أو مشكلات الخدمات أو أي قضية تقع خارج اختصاص وزارته فهذا ليس نقداً مهنياً وإنما خلط للأوراق وتحميل للرجل مسؤوليات ليست من اختصاصه خالد الإعيسر ليس وزيراً للمالية وليس محافظاً لبنك السودان وليس وزيراً للتجارة وليس مسؤولاً عن سعر الصرف
ومن الظلم أن يُحاكم الرجل على كل ما يحدث في السودان لمجرد أنه وزير معروف وحاضر في المشهد العام بل إن الإنصاف يقتضي أن نسأل عن الظروف التي يعمل فيها فالوزارة والمؤسسات الإعلامية والثقافية السودانية خرجت من حرب مدمرة وقد تعرضت مؤسسات إعلامية ومنشآت ثقافية للدمار واضطرت مؤسسات أخرى إلى العمل من خارج مقارها والمصادر الرسمية للوزارة توثق جانباً من هذا الواقع بما في ذلك تفقد الإعيسر لمقر قناة الشروق والوقوف على حجم الدمار الذي أصاب استديوهاتها ومعداتها وبنيتها التحتية والعمل على إعادة إعمارها كما أن نشاط الوزارة خلال الفترة الأخيرة لم يقتصر على الإعلام السياسي فقد شمل ملفات الثقافة والآثار والسياحة والتعاون الخارجي والمشاركة في الفعاليات الثقافية والإعلامية العربية إلى جانب ملفات إعادة تشغيل المؤسسات الإعلامية وفي سبتمبر 2026 عقد الإعيسر اجتماعاً مع قيادات الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووجه بتوحيد الجهود الإعلامية في التغطيات والنقل المباشر واستمع إلى تقارير حول سير العمل في الإذاعة والتلفزيون وقناة النيل الأزرق وجهود إعادة الإعمار وتهيئة بيئة العمل
وفي الجانب الثقافي تحدث الإعيسر خلال الأيام الماضية عن دور الثقافة والفنون والإعلام في تعزيز الحوار بين مكونات المجتمع كما طرح مشروعاً لإعادة كتابة تاريخ السودان بأقلام سودانية وهو ما يعني أن تقييم تجربته ينبغي ألا يُحصر في البيانات السياسية والمواقف المتعلقة بالحرب بل إن لقاءه الأخير مع وزير الثقافة والإعلام والاتصالات الناطق الرسمي باسم حكومة إقليم دارفور البروفيسور أحمد إسحاق شنب تناول قضايا التماسك المجتمعي ورتق النسيج الاجتماعي ومحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش السلمي وهي ملفات تدخل مباشرة في صميم الدور الثقافي والإعلامي للوزارة لذلك نحن لا نقول إن خالد الإعيسر فوق النقد لا يوجد مسؤول فوق النقد
ولا نقول إن أداءه كامل أو بلا أخطاء بل على العكس تماماً إذا أخطأ فليُنتقد وإذا قصّر فليُحاسب وإذا أخفق في ملف من ملفات وزارته فليُكشف إخفاقه بالأدلة وإذا كانت هناك قرارات خاطئة فليُسلَّط عليها الضوء لكن المطلوب هو نقد الوزير لا اغتيال شخصيته نقد الأداء لا المواقف الشخصية نقد القرار لا التشهير نقد الوزارة لا تحميلها أخطاء الحكومة كلها وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً إذا كان خالد الإعيسر قد قصر فأين قصر؟ هل قصر في الإذاعة والتلفزيون؟
هل تسبب في انهيار أو تراجع وكالة السودان للأنباء (سونا)؟ هل أخفق في إدارة الملف الثقافي؟
هل أهمل السياحة؟ هل فشل في حماية الآثار والتراث؟ هل هناك مؤشرات وأرقام ووقائع تثبت ذلك؟ إذا كانت الإجابة نعم فهاتوا الأدلة
وإذا كانت الإجابة لا فلماذا يتحول النقد إلى حملة على شخص الرجل؟
لقد تحمل الإعيسر خلال سنوات الحرب قدراً كبيراً من المواجهة الإعلامية وكان من الأصوات التي رفعت سقف الخطاب المدافع عن السودان في مواجهة خصومه ومن حق الناس أن يختلفوا معه في طريقة التعبير وفي بعض مواقفه وحتى في بعض سياسات الوزارة لكن ليس من حق أحد أن يطالبه بأن يكون مسؤولاً عن كل إخفاق في الدولة والأخطر من ذلك أن تتحول المعركة من تقييم الأداء إلى محاولة لمعاقبة الوزير لأنه اتخذ مواقف سياسية وإعلامية لم ترضِ هذا الطرف أو ذاك هنا تصبح المسألة أكبر من خالد الإعيسر إنها تتعلق بمفهوم النقد نفسه فنحن نحتاج إلى إعلام يراقب المسؤول لا إعلام يطارد الأشخاص يترصد بعضهم نحتاج إلى صحافة تسأل عن الأرقام والإنجازات والإخفاقات لا عن الانتماءات والمواقف وحدها نحتاج إلى أن نقول للمسؤول أحسنت هنا وأخطأت هناك وكان يجب أن تفعل كذا ولم تفعل هذه هي الصحافة التي تخدم الدولة والمجتمع أما أن يصبح كل موقف وطني للوزير سبباً في تحويله إلى هدف مفتوح للهجوم فهذه ليست محاسبة وإنما تصفية حسابات سياسية وإعلامية وقد تكون جهوية وإذا ثبت أن دوافعها لا علاقة لها بأداء الوزارة وأنا أعتقد ذلك هنا نقول بوضوح انتقدوا خالد الإعيسر ولكن انتقدوه من داخل وزارته حاسبوه على الإعلام حاسبوه على الثقافة حاسبوه على السياحة حاسبوه على الآثار حاسبوه على المؤسسات التابعة لوزارته ضعوا أمامه الملفات والوقائع والأرقام وقولوا له أين أخطأ وأين أصاب أما أن تحاسبوه على الدولار وعلى الاقتصاد وعلى الخدمات حتى على طريقة كلامه ومشيته وعلى كل إخفاق يحدث في الدولة فهذا ليس عدلاً والأهم من ذلك كله لا تجعلوا خلافكم مع مواقف خالد الإعيسر سبباً في إسقاط المهنية من يدكم فإذا جاء الهجوم عليه من غرف المليشيا فقد يكون مفهوماً في سياق الحرب الإعلامية وإذا جاء من جماعة )لا للحرب) فقد يكون مفهوماً في سياق اختلاف المواقف أما أن يأتي الهجوم من داعمي القوات المسلحة وبدون سبب مقنع هذا بمثابة رصاص ينهمر عليه من داخل الصندوق وهذا يعتبر استهداف وليس شئ آخر لذلك علينا أن نسأل دائماً ما القضية التي يناقشونها؟ وما الدليل الذي يقدمونه؟ وهل الهجوم متعلق بأداء الوزير أم بمواقفه؟ أم شخصه أم انتماؤه ؟ هذه الأسئلة وحدها كفيلة بأن تضع النقاش في مكانه الصحيح إن خالد الإعيسر ليس فوق النقد لكنه أيضاً ليس شماعة لتعليق كل أزمات السودان عليها
والإنصاف يقتضي أن نقول له ما له وما عليه
فإن أصاب قلنا أصاب
وإن أخطأ قلنا أخطأ
وإن قصّر طالبناه بالمزيد
وإن أنجز اعترفنا بإنجازه
أما أن نهاجم الرجل فقط لأنه خالد الإعيسر فهنا يصبح السؤال مشروعاً
إذا كان كل هذا الهجوم موجهاً إلى الرجل بسبب مواقفه فماذا تركتم لغرف المليشيا؟ وماذا تركتم لغرف الإمارات ومن شايعها



