كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة: التضليل المعلوماتي للذكاء الاصطناعي : المليشيا في حربها ضد السودان أنموذجا؟

لم تعد الحرب السودانية تدار بالسلاح وحده. فمنذ اندلاع القتال الذي شنته المليشيا المتمردة ضد القوات المسلحة السودانية في 15من أبريل 2023، خاضت المليشيا حربا اخرى موازيه للسيطرة على الرواية العامة، وتقديم نفسها للرأي العام المحلي والدولي بوصفها طرفا سياسيا وعسكريا قادرا على الحكم، لا قوة مسلحة متهمة بانتهاكات جسيمة ضد المدنيين. وفي هذه المعركة، وظفت المليشيا وحلفاؤها مزيجا من الدعاية الرقمية، والحسابات المنسقة، والمؤثرين، والمحتوى المصمم لخوارزميات الانتشار، إلى جانب الصور والفيديوهات المحسنة أو المولدة بالذكاء الاصطناعي. ولا يقوم هذا الاستنتاج على قراءة سياسية للمحتوى، بل على تقارير بحثية وتدقيقات مستقلة وثقت البنية الاتصالية للقوات، وطبيعة خطابها، والشبكات التي تنشر رسائلها. غير أن الدقة تقتضي التمييز بين ثلاثة أمور: ما تنتجه قيادة قوات الدعم السريع مباشرة، وما ينتجه مؤيدون أو حلفاء، وما يعاد توظيفه لاحقا لخدمة روايتها. فليس كل محتوى يخدم القوات دليلا على أنها أنشأته، لكن انتظام الرسائل، وتكرار الأساليب، ووجود بنية اتصالية متخصصة، كلها تجعل التضليل جزءا من أدوات الحرب السياسية والنفسية المرتبطة بها.
*جهاز اتصالي يتجاوز البيانات العسكرية*:
خلصت دراسة أعدتها مؤسسة طومسون بالتعاون مع منصة أنداريا إلى أن قوات الدعم السريع بنت جهازا اتصاليّا ذا كفاءة تقنية، يستخدم محتوى عالي الجودة، وصورا محسنة بالذكاء الاصطناعي، ومؤثرين، وحسابات تضخيم مجهولة، وفيديوهات مصممة للانتشار عبر تيك توك وفيسبوك ومنصة «إكس» ويوتيوب. وتصف الدراسة هذه البنية بأنها جزء من منظومة تضليل منظمة، لا مجرد نشاط عفوي لمستخدمين متعاطفين. وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من طبيعة الأدوات المستخدمة. فالحسابات لا تكتفي بإعادة نشر بيانات عسكرية، بل تنتج سرديات متكاملة عن هوية الحرب وأسبابها ونتائجها. وتظهر قوات الدعم السريع في هذه السرديات بوصفها ممثلة للأطراف المهمشة، ومدافعة عن الديمقراطية في مواجهة ما تسميه «الإسلاميين»، بينما يُقدَّم خصومها باعتبارهم امتداداً للنظام السابق أو عائقا أمام التحول المدني. وقد وثق معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط أن المليشيا استخدمت منذ بداية الحرب منصات التواصل لتلميع صورتها، وتبرئة نفسها من الانتهاكات، وتقديم خطاب سياسي موجه إلى الجمهور السوداني وإلى العواصم والمنظمات الدولية. كما أشار المعهد إلى استعانة قيادة الدعم السريع قبل الحرب بشركات علاقات عامة ومستشارين اتصاليين في الخارج للمساعدة في إعادة بناء صورتها وتوسيع حضورها السياسي
إعادة تقديم القوة المتمردة بوصفها مشروعاً ديمقراطيا.
تتمثل إحدى أهم تقنيات التضليل في إعادة تعريف الفاعل المسلح. فبدلاً من ظهوره كقوة عسكرية مستقلة ذات سجل طويل من الاتهامات، تسعى الدعاية المرتبطة بالدعم السريع إلى تقديمه بوصفه حارساً للثورة وممثلاً للمناطق الطرفية والمدافع عن الحكم المدني. وتُستخدم عبارات مثل «معركة الديمقراطية» و«حراس الثورة» لإحلال هوية سياسية جديدة محل الهوية العسكرية. هذه العملية لا تنفي وقائع الحرب، بل تعيد ترتيبها. فعندما تُعرض تحركات القوات باعتبارها تحريراً للمناطق، وتُوصف سيطرتها على المدن بأنها استجابة لمطالب المهمشين، ويُختزل خصمها في صورة «فلول» أو «إسلاميين»، يتحول السؤال من: ماذا فعلت القوة على الأرض؟ إلى: أي سردية سياسية تريد أن تمثلها؟ وهكذا تُستخدم اللغة لتخفيف المسؤولية عن القوة المسلحة قبل أن يبدأ الجمهور في فحص الوقائع الميدانية.
*صناعة الانتصار وتضخيم الجاهزية العسكرية*:
تستخدم الشبكات الإعلامية المرتبطة بالدعم السريع مقاطع مصورة لإظهار الجاهزية والانضباط والانتشار الواسع. وتظهر في هذه المقاطع الأرتال والمركبات والأسلحة والجنود وهم يتحركون في تشكيلات منظمة، مع موسيقى حماسية وتعليقات تؤكد السيطرة والتقدم. وليست هذه اللقطات حقيقية، لكن انتقاءها، وتوقيت نشرها، والعناوين المصاحبة لها، يحولها إلى أداة لصناعة انطباع عن تفوق مستمر لا تثبته بالضرورة الخريطة العسكرية.
كما تسمح أدوات الذكاء الاصطناعي بتعديل الصور وتحسينها، وإخفاء آثار الفوضى أو الخسائر، وتغيير الخلفيات، وإنتاج نسخ متعددة من المقطع نفسه لجمهور محلي أو دولي. ويصعب على المتلقي العادي التمييز بين تحسين تقني بسيط وتغيير جوهري في محتوى الصورة، خصوصاً عندما يُنشر المقطع عبر حسابات كثيرة في فترة زمنية قصيرة.
لا يكمن الهدف في إقناع الخصم وحده، بل في التأثير على السكان. فإظهار القوة والانتشار قد يدفع المدنيين إلى الاعتقاد بأن المقاومة غير ممكنة، وأن القوات تسيطر على المنطقة بصورة نهائية. وقد يؤدي ذلك إلى النزوح، أو الصمت، أو التعاون القسري، أو الامتناع عن مساعدة الطرف الآخر خوفاً من انتقام متوقع.
*التضليل عبر الحسابات والمنصات المتعددة*:
لا تنتشر الرسالة الدعائية بالصيغة نفسها على كل المنصات. فالحسابات السياسية على «إكس» تركز على البيانات والوسوم وخطاب الشرعية، بينما تستخدم تيك توك وفيسبوك للفيديوهات القصيرة والشهادات العاطفية، ويعمل يوتيوب كمخزن لمقاطع أطول يجري اقتطاعها لاحقا وإعادة توزيعها. أما واتساب وتلغرام فيسمحان بانتقال المواد داخل مجموعات مغلقة يصعب فحصها أو تتبع مصدرها.
تسمي دراسة طومسون هذه العملية «غسل السردية»: يبدأ الادعاء في حساب أو منصة محدودة، ثم يعاد نشره عبر مؤثرين وحسابات مختلفة، قبل أن يظهر في هيئة خبر متداول على نطاق واسع. ومع كل إعادة نشر، يبتعد المتلقي عن المصدر الأول، ويزداد اعتقاده بأن تعدد الناشرين يعني تعدد الأدلة. كما وتقدم دراسة لمعهد السياسة والأمن الدولي الألماني مثالاً على مركزية وسائل التواصل في الحرب السودانية، مشيرة إلى أن الحسابات المؤيدة للدعم السريع تستخدم المؤثرين والبث المباشر والخطاب العاطفي لتبرير الحرب وتطبيع العنف. كما وثقت الدراسة حسابات ذات جماهير كبيرة تعمل من خارج السودان، وتؤدي دورا في تثبيت الرسائل المؤيدة للمليشيا وتحويل النقاش من مساءلة الانتهاكات إلى مهاجمة الخصوم.
*توظيف الصور الاصطناعية في استثمار المأساة* :
تظهر خطورة الذكاء الاصطناعي عندما يستخدم لإنتاج مشهد إنساني يبدو واقعيا، ثم يربط بجرائم حقيقية وقعت في السودان. ففي نوفمبر 2025، فنّدت وكالة فرانس برس مقطعا لامرأة قيل إنها سودانية تحتضن طفليها وسط الدمار وتطلب المساعدة. وخلصت الوكالة إلى أن المقطع مولد بالذكاء الاصطناعي، استنادا إلى تغيرات في لون البشرة، وثبات أحد الطفلين بصورة غير طبيعية، ونتائج أداة تحليل أشارت إلى احتمال مرتفع لاصطناع الفيديو. وكان المنشور يطلب من الجمهور التبرع عبر رابط إلكتروني. تثبت هذه الحالة وجود محتوى اصطناعي يستثمر مأساة السودان. وهذا التفريق ضروري مهنيا. الدليل القاطع هنا يثبت اصطناع المحتوى واستغلال المأساة، لا هوية الجهة التي أنشأته.
وفي يوليو 2026، فندت AFP مقطعا آخر نسب إلى السودان، وظهر فيه ما يشبه مقبرة جماعية وأذرع بشرية خارجة من الأرض. قادت عملية البحث العكسي إلى نسخة أقدم منشورة داخل مجموعة متخصصة في محتوى الذكاء الاصطناعي، كما رصد المدققون تشابهاً غير طبيعي بين الأيدي في الشكل والحجم واللون وطريقة الظهور. تكشف هذه الحالة عن أسلوب أكثر تعقيدا : إنتاج صورة اصطناعية، ثم ربطها باتهامات واقعية ضد الطرف الرئيسي في الحرب، ثم استخدامها لتثبيت حكم سياسي أو أخلاقي على الخصم. وإذا كانت الصورة لا تثبت أن قوات الدعم السريع صنعتها، فإن إعادة تداولها من حسابات مؤيدة لها أو إدماجها في خطابها يمكن أن يثبت وظيفة المقطع داخل حملتها الاتصالية، شرط توثيق مسار النشر والحسابات والروابط بينها.
*التحريض ونزع الصفة الإنسانية عن الخصوم*:
لا يقتصر التضليل المرتبط بالدعم السريع على اختلاق الانتصارات أو تحسين الصور. فالوظيفة الأخطر تتمثل في رسم صورة للخصم تجعله خارج دائرة الحقوق. وتستخدم اتهامات العمالة والخيانة والارتباط بالإسلاميين لتجريد المدنيين أو الناشطين أو غرف الطوارئ من صفتهم المدنية. وعندما يتحول الطبيب أو الصحفي أو المتطوع إلى «متعاون»، يصبح الاعتداء عليه قابلاً للتبرير داخل الجماعة المؤيدة.
أشارت دراسة طومسون إلى أن حملات الكراهية ونزع الإنسانية يمكن أن تسبق العنف الميداني، وأن اتهام السكان بالتعاون مع أحد الأطراف يرفع مخاطر الاعتقال والهجوم والانتقام. كما رصدت الدراسة استهداف العاملين في الإغاثة والصحفيين، وتحويل المطالبين بالسلام إلى أهداف للتخوين والعزل الاجتماعي.
في هذه المرحلة، يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً مساعداً. فهو يسرّع إنتاج الصور والعبارات والمقاطع، ويتيح تعديل الصوت أو الوجه، ويجعل الرسالة قابلة لإعادة الاستخدام في سياقات متعددة. لكن جوهر التضليل لا يكمن في التقنية وحدها بل في الجمع بين التقنية وخطاب الكراهية وشبكات التوزيع والقدرة على حشد جمهور مستقطب.
*ما الذي يثبت صلة المليشيا المتمردة بهذه المنظومة*؟
يمكن تلخيص الأدلة المنشورة في أربعة مستويات مترابطة. أولها، وجود خطاب منظم ومتكرر يقدّم القوات بوصفها قوة ديمقراطية تحارب خصماً أيديولوجيا، لا طرفا عسكريا مسؤولاً عن أفعاله. ثانيها، توثيق استخدام مؤثرين وحسابات تضخيم وبنية اتصالية ذات إنتاج احترافي. ثالثها، وجود تاريخ سابق للاستعانة بشركات علاقات عامة ومستشارين خارجيين لإعادة تسويق صورة القيادة. رابعها، ورود توصيف بحثي مباشر لاستخدام صور محسنة بالذكاء الاصطناعي ومحتوى متعدد الوسائط في عمليات التضليل المرتبطة بالمليشيا
خاتمة
تستخدم قوات الدعم السريع التضليل المعلوماتي باعتباره امتداداً للحرب، لا نشاطاً دعائياً هامشياً. فهي تسعى إلى إعادة تعريف هويتها، وتبييض سجلها، وتضخيم انتصاراتها، وتقديم نفسها ممثلة للمهمشين ومدافعة عن الديمقراطية، مع الاستفادة من المؤثرين والحسابات المنسقة والمحتوى عالي الجودة وتقنيات تحسين الصور وإنتاجها.
ويمنح الذكاء الاصطناعي هذه المنظومة قدرة إضافية على صناعة مشاهد يصعب التحقق منها بسرعة، وعلى تحويل المأساة السودانية إلى مادة عاطفية قابلة للانتشار. إلا أن الخطر لا يكمن في الصورة المزيفة وحدها، بل في إدخالها ضمن شبكة سياسية وإعلامية تجعلها تبدو جزءا من حقيقة متماسكة.
لذلك فإن الدليل الأقوى على استخدام قوات الدعم السريع للتضليل لا يتمثل في مقطع واحد، بل في تراكم الأدلة : بنية اتصالية منظمة، رسائل متكررة، مؤثرون وحسابات تضخيم، علاقات عامة عابرة للحدود، وتوظيف للمحتوى المعدل أو الاصطناعي لخدمة هدف واحد هو نقل المعركة من سؤال المسؤولية عن الانتهاكات إلى سؤال من يملك القدرة على فرض الرواية.



