مقالات

السودان واثيوبيا في حسابات

عمار العركي يكتب …

روسيا ▪️أعلن آبي أحمد، خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة الروسية الإفريقية، عن تطور في التعاون العسكري مع روسيا، من خلال صفقة مقاتلات «سوخوي» والتوجه لاقتناء أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي «إس 400». وتشمل الصفقة 12 مقاتلة من طراز «سوخوي 35»، بينما ضمت الدفعة الأولى التي أُعلن وصولها طائرتين.

▪️هذه الصفقة، وفي ظل الحضور الصيني الواسع في إثيوبيا، لا تعني بالضرورة تحول أديس أبابا إلى المعسكر الشرقي، بقدر ما تعكس توسعاً في خياراتها وتنويعاً لمصادر السلاح والشراكات،فالصين تمثل الشريك الاقتصادي والاستثماري الأوسع لإثيوبيا، بينما تُعد روسيا خياراً للتعاون العسكري والتقني، مع استمرار العلاقات الإثيوبية مع الطرف الآخر “الولايات المتحدة والغرب”.

▪️أعلن بوتين أن التبادل التجاري الروسي الإثيوبي تجاوز 1.3 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بأكثر من ضعف إجمالي عام 2025، بينما بلغ التبادل التجاري بين الصين وإثيوبيا نحو 4.72 مليار دولار خلال عام 2025. بما يؤكد أن أديس أبابا توزع علاقاتها وتوسع خياراتها وفق مصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

▪️بالنسبة للسودان، تكتسب مقارنة خطاب البرهان وخطاب آبي أحمد في موسكو أهمية خاصة في هذا السياق. فالبرهان ركز على سيادة السودان ووحدة أراضيه، وعلى الموقف الروسي الداعم للدولة السودانية، مع طرح تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. أما خطاب آبي أحمد، فانصب على التعاون العسكري وتحديث القدرات الدفاعية، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والتقني.

▪️هنا يتضح اختلاف الأولويات؛السودان يسعى إلى شراكة سياسية واستراتيجية مع موسكو، وتطوير التعاون في ظل الحرب، بينما تتحرك إثيوبيا نحو ترجمة علاقاتها الروسية إلى قدرات عسكرية جديدة. وهذا التباين لا يعني اختلاف مكانة البلدين لدى روسيا، لكنه يعبر عن تفاوت ما يطلبه كل طرف وما يحققه من نتائج عملية.

▪️تعزيز القدرات الجوية والدفاعية الإثيوبية يضيف متغيراً جديداً إلى حسابات الأمن القومي السوداني،فتطور القدرات العسكرية للجارة الحدودية لأثيوبيا يفرض على الخرطوم مراجعة تقديراتها الدفاعية وحساباتها الاستراتيجية.

▪️روسيا بدورها توازن مصالحها مع السودان وإثيوبيا؛ من جهة توسع تعاونها العسكري مع أديس أبابا، وتسعى إلى تطوير علاقاتها مع الخرطوم من جهة أخري ، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر وموارده وإمكاناته الاقتصادية واللوجستية.

▪️وفي هذا الإطار، يكتسب ما طرحه البرهان في لقائه بوتين بشأن إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، ومشروعات تخزين الوقود والقمح، والاستثمار في المعادن، وتطوير السكك الحديدية والبنية التحتية، أهمية كبيرة. لكن الأهم استراتيجياً هو حسم ملف قاعدة الإمداد اللوجستي الروسية، باعتباره أحد الملفات المحورية في مستقبل العلاقات بين البلدين.

▪️وبالتالي، فإن المطلوب من السودان الإسراع في الحسم الإيجابي لملف القاعدة الروسية، والانتقال بالعلاقة مع موسكو من مستوى التفاهمات السياسية إلى شراكة عملية تشمل تطوير القدرات الدفاعية، وحماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية، والتدريب والصيانة ونقل التكنولوجيا، إلى جانب استثمار الموقع السوداني على البحر الأحمر في مشروعات اقتصادية ولوجستية تحقق المصالح المتبادلة.

#خلاصــة________القــول______ومنتهــاه:

▪️إثيوبيا توسع خياراتها الدولية، مستفيدة من الشراكة الاقتصادية مع الصين والتعاون العسكري مع روسيا، دون التخلي عن علاقاتها الغربية. وفي المقابل، فإن تطور قدراتها العسكرية يفرض على السودان التعامل معه باعتباره متغيراً جديداً في حسابات أمنه القومي، خاصة أن روسيا تدير مصالح متوازية مع البلدين دون أن تكون بالضرورة بصدد المفاضلة بينهما.

▪️ومن ثم، فإن التحدي أمام الخرطوم ليس منافسة أديس أبابا في علاقاتها مع موسكو، وإنما توظيف موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر لترسيخ شراكة واضحة المصالح والالتزامات، تبدأ بحسم ملف القاعدة اللوجستية الروسية، وتمتد إلى بناء القدرات الدفاعية وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة. وهنا يكمن جوهر التحول المطلوب: من دبلوماسية إدارة الأزمة إلى استحقاقات الشراكة الاستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى