تحقيقات و تقارير

إخوان السودان في قوائم الإرهاب الأمريكية.. كيف يؤثر القرار على مسار الحرب في السودان؟

متابعات: ريام نيوز

أثار إعلان وزارة الخارجية الأمريكية إدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص، والإعلان عن نية تصنيفها أيضاً كـ”منظمة إرهابية أجنبية” ابتداءً من 16 مارس، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية السودانية. فالقرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بينما لا تزال الحرب مستعرة بين الجيش السوداني ومليشيا آل دقـ ـلو، ما يطرح تساؤلات حول الدوافع السياسية للخطوة الأمريكية وتأثيراتها المحتملة على مسار الصراع.

وبينما علّلت واشنطن القرار باتهامات تتعلق باستخدام العنف ضد المدنيين، ترى الحكومة السودانية، ومعها كثير من المراقبين، أن الخطوة تتجاهل الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع خلال الحرب، ما يثير شكوكًا حول دوافع القرار والتوازن في المقاربة الأمريكية للأزمة السودانية.

 

القرار في سياق السياسة الأمريكية

تقول الإدارة الأمريكية إن تصنيف الجماعة يأتي في إطار جهودها لمكافحة الإرهاب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد المدنيين، إضافة إلى مواجهة ما وصفته بـ”النفوذ الإيراني” في السودان. كما أشارت إلى أن مقاتلين من الجماعة تلقوا تدريبات ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، وهي اتهامات لم تقدم بشأنها أدلة علنية حتى الآن.

كما ذكّرت واشنطن بأن كتيبة البراء بن مالك، التي توصف بأنها قريبة من التيار الإسلامي في السودان، كانت قد أدرجت سابقاً ضمن الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر 2025 بسبب ادعاءات حول دورها في الحرب.

لكن منتقدي القرار يرون أن هذه الاتهامات تأتي في سياق سياسي أوسع يرتبط بالموقف الأمريكي من الإسلام السياسي في المنطقة، أكثر مما يرتبط بتقييم متوازن للوضع الميداني في السودان.

موقف الحكومة السودانية:

 

أكدت وزارة الخارجية السودانية متابعتها لقرار الإدارة الأمريكية القاضي بتصنيف جماعة الإخوان المسـ ـلمين في السودان منظمة إرهـ ـابية، مشددة على أن موقف السودان ثابت في إدانة جميع أشكال الإرهـ ـاب والتطـ ـرف العـ ـنيف دون انتقائية. وأوضحت أن أي جماعات ترتكب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يجب أن تُصنّف ضمن الجماعات الإرهـ ـابية.

وفي هذا السياق، دعت الحكومة السودانية المجتمع الدولي إلى الاستجابة للمطالب المتزايدة بتصنيف مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع جماعةً إرهـ ـابية، على خلفية ما قالت إنه سجل موثق من الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين. كما أكدت التزامها بحماية أمن البلاد واستقرارها وصون أرواح المواطنين، والعمل وفق القانون الوطني والالتزامات الدولية في مجال مكافحة الإرهـ ـاب والتطـ ـرف العنيف.

 

خطاب ما قبل السلطة

خلال الفترة التي سبقت عودة ترامب إلى البيت الأبيض، كان الخطاب الصادر عن عدد من الشخصيات المقربة منه في الدوائر السياسية والإعلامية الأمريكية يسلط الضوء بشكل كبير على الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع في السودان، خاصة ما يتعلق بالقـ ـتل الجماعي والتهجير القسري والاعتداءات الواسعة على المدنيين.

وفي تلك المرحلة، ظهرت تحليلات وتقديرات عديدة في مراكز الأبحاث الأمريكية، ولدى شخصيات في الدائرة المقربة لترامب، تشير إلى إمكانية إدراج الدعـ ـم السـ ـريع ضمن قوائم الإرهاب، أو على الأقل فرض عقوبات واسعة عليها وعلى قياداتها.

وقد عزز هذا التوجه الانطباع بأن الإدارة الأمريكية المقبلة قد تتبنى موقفاً أكثر تشدداً تجاه هذه القوة شبه العسكرية.

 

انعطافة في الأولويات

غير أن القرار الأخير بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان بدلاً من التركيز على الدعـ ـم السـ ـريع يعكس تغيراً في زاوية النظر الأمريكية للصراع.

فبدلاً من التعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة بين دولة ومليشيا متمردة، أصبح الخطاب الأمريكي يميل إلى ربط الصراع بملفات أوسع مثل مكافحة الإرهـ ـاب والحد من نفوذ الإسلام السياسي.

وبهذا المعنى، لم يعد التركيز منصباً على الفاعلين العسكريين في الميدان بقدر ما أصبح موجهاً نحو القوى السياسية أو الأيديولوجية التي تعتبرها واشنطن مرتبطة بالصراع.

لكن هذه المفارقة بين خطاب ما قبل السلطة وخطاب ما بعدها تطرح سؤالاً مهماً حول طبيعة السياسات الدولية تجاه النزاعات المعقدة مثل الحرب في السودان.

ففي كثير من الأحيان، يتغير الخطاب السياسي بمجرد الانتقال من موقع المعارضة أو الحملات الانتخابية إلى موقع إدارة الدولة، حيث تفرض اعتبارات المصالح والتحالفات الدولية نفسها على صناعة القرار.

 

حسابات السياسة الإقليمية

يرى بعض المراقبين أن هذا التحول قد يرتبط أيضاً بحسابات إقليمية أوسع، حيث يمثل ملف تصنيف جماعة الإخوان المسلمين قضية مركزية في سياسات بعض الدول المؤثرة في المنطقة، خصوصاً الإمارات وإسرائيل.

ومن المعروف أن هذه الدول عملت لسنوات على تشجيع الولايات المتحدة وعدد من العواصم الغربية على تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الجماعة وفروعها في المنطقة.

وفي هذا السياق، قد يكون القرار الأمريكي جزءاً من توازنات سياسية إقليمية تتجاوز حدود الملف السوداني نفسه.

 

الضغط من أجل تسوية سياسية

وجهة النظر الأمريكية ترى أن القرار يمكن استخدامه كورقة ضغط في سياق المساعي الأمريكية لفرض مسار تفاوضي معيّن لإنهاء الحرب، ترفضه الخرطوم. وبالتالي فإدراج أي جهة، تفترض واشنطن أنها على صلة بالحكومة والجيش السوداني، ضمن قوائم الإرهـ ـاب يمنحها أدوات قانونية ومالية واسعة يمكن توظيفها للضغط على الحكومة السودانية.

وقد عكست تصريحات مستشار ترامب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، هذا التوجه حين دعا إلى هدنة إنسانية فورية تمهّد للحوار وإنهاء الحرب.

وبذلك يصبح التصنيف جزءاً من استراتيجية ضغط متعددة الأدوات تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في السودان.

 

جدل حول الانتقائية في المواقف الدولية

أحد أبرز الانتقادات الموجهة للقرار أنه يركز على كيان بعينه في الخارطة السياسية السودانية، بينما يتجاهل اتهامات واسعة موجهة إلى مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت عمليات قتل وتهجير ونهب في عدد من المدن والمناطق، وقد أثبتتها التقارير الدولية واللجان التابعة للأمم المتحدة.

وإلى هذا الأمر لمّح بيان وزارة الخارجية السودانية، حين أكد موقف السودان المبدئي في في إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف، (دون استثناء أو انتقائية).. وطالب بتصنيف كُل الجماعات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني، وترتكب الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في السودان، كجماعاتٍ إرها.بية، مشيراً بصفة خاصة إلى ضرورة الاستجابة للدعوات القوية لتصنيف مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع المتمردة كجماعة إرهـ ـابية.

هذا التباين والانتقائية في التعاطي مع الأطراف السودانية المرتبطة بالحرب، يعزز الانطباع بأن الملف السوداني في أمريكا يُدار بحسابات توازنات السياسية الدولية أكثر من كونه مسعىً خالصاً لحماية المدنيين.

 

“صمود” وأبو ظبي .. أدوار مرسومة:

لعب تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك دوراً في التأثير على المزاج السياسي داخل بعض العواصم الغربية تجاه التيار الإسلامي في السودان. والواقع أن أدى دوراً كان مرسوماً له بعناية، من قبل الدوائر الغربية الراغبة في تمرير هكذا قرار.

وقد نشط عدد من قيادات التحالف في تحركات دبلوماسية وإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا خلال الفترة الماضية، من بينهم خالد عمر يوسف (سلك)، حيث قدموا في لقاءاتهم وخطاباتهم رواية تربط الحرب في السودان بعودة الإسلاميين إلى المشهد، مع تكرار وصف جماعة الإخوان في السودان بأنها تنظيم يمارس العنف ويقوض فرص التسوية. كما تم الترويج بكثافة لسردية “الرصاصة الأولى”، التي تحمل الإسلاميين مسؤولية اندلاع الحرب، وهو خطاب وجد صدى لدى بعض الدوائر الغربية التي تنظر أصلاً إلى جماعة الإخوان بحذر في سياقات إقليمية مختلفة.

والتقت هذه التحركات مع مساعي حكام أبو ظبي لتصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً، حيث تبنّت منذ سنوات سياسة مناهضة للجماعة في المنطقة. هذا التقاطع بين خطاب بعض القوى المدنية السودانية والمواقف الإقليمية قد يكون ساهم في تعزيز الضغوط داخل دوائر القرار الغربية باتجاه تبني مقاربة أكثر تشدداً تجاه الإخوان في السودان. ولكنها، مع ذلك، ليست السبب المباشر في القرار الأمريكي، إذ عادة ما تتشكل مثل هذه القرارات نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية وإقليمية أوسع.

 

التأثيرات المحتملة على مسار الحرب

من الناحية العملية، يهدف القرار إلى التأثير بقوة على مسار الحرب في السودان، من عدة نواحٍ:

أولاً: زيادة الضغوط السياسية على الجيش؛ فقد تستخدم بعض الأطراف الدولية القرار للضغط على المؤسسة العسكرية السودانية، خاصة بعد الربط بين بعض التشكيلات المقاتلة المساندة للجيش، مثل “كتيبة البراء بن مالك”، وملف الإرهـ.ـاب.

ثانياً: تعقيد المشهد الدبلوماسي؛ حيث سيضيف التصنيف طبقة جديدة من التعقيد في العلاقات بين السودان وبعض الدول الغربية، خاصة إذا ترتب عليه فرض عقوبات أو قيود مالية.

ثالثاً: تأثير محدود ميدانياً؛ على المستوى العسكري المباشر قد يكون تأثير القرار محدوداً، لأن مسار المعارك على الأرض تحدده عوامل ميدانية تتعلق بالقدرات العسكرية والتموضع الجغرافي أكثر من القرارات السياسية الخارجية.

 

بين السياسة والحرب

في النهاية، لا يمكن فصل القرار الأمريكي عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع للصراع في السودان. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة داخلية، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة.

وبينما تقول واشنطن إن الخطوة تهدف إلى محاسبة المتورطين في انتهاكات ضد المدنيين، يرى منتقدو القرار أنه قد يعكس أيضاً توظيفاً سياسياً لملف الإرهـ ـاب في سياق الصراع على النفوذ في السودان والمنطقة.

وفي ظل هذا التعقيد، يبقى السؤال الأهم؛ هل توجد فائدة فعلية يمكن أن تحققها مثل هذه القرارات بالنسبة لملف إنهاء الحرب في السودان، أم أنها ستضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة.

تقرير: الطابية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى