مقالات

الأستاذ الجامعي والتحول الرقمي : من وصاية التلقين إلى ريادة التمكين

د. فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…

يواجه العالم اليوم تحولا بنيويا جذريا يتجاوز كونه مجرد طفرة تقنية ليصبح إعادة صياغة شاملة لمفاهيم المعرفة وآليات التعلم. وفي قلب هذا المخاض يقف الأستاذ الجامعي أمام اختبار تاريخي فالدور التقليدي القائم على “مركزية التلقين” قد تداعى، مفسحا المجال لنموذج جديد يتطلب مرونة فكرية وأدوات معرفية مغايرة.

ويأتي هذا المخاض تماهيا مع التوجه الاستراتيجي للدولة نحو الرقمنة الشاملة واستجابة للدعوة الصريحة التي أطلقها وزير التعليم العالي والبحث العلمي بروفيسور أحمد مضوي بضرورة الانخراط الفاعل في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن المنظومة الأكاديمية والعبور بالجامعات نحو عصر “المنصات الرقمية المتكاملة” ضمانا لجودة المخرجات ومواكبة للتنافسية العالمية.

وعند تأمل المشهد الراهن نجد تباينا ملموسا في مدى استجابة الأستاذ الجامعي لمقتضيات هذا التحول فبينما نجحت فئة في تطويع التكنولوجيا لخدمة البحث العلمي، لا تزال قطاعات واسعة من الاساتذة تعاني مما يمكن تسميته “الاغتراب الرقمي”. وهذا التعثر لا يعود بالضرورة إلى قصور في القدرات الذهنية ولكن هو نتاج لمقاومة التغيير النابعة من الاعتياد على الأنماط الكلاسيكية أو بسبب غياب البنية التحتية المحفزة في بعض المؤسسات. إن الاكتفاء باستخدام الوسائط الرقمية كأدوات عرض فقط —مثل تحويل المحاضرة الورقية إلى شرائح إلكترونية— لا يعد تحولا رقميا حقيقيا بل هو “رقمنة للتقليد” بينما الجوهر يكمن في ابتكار بيئات تعليمية تفاعلية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

إن الأستاذ الجامعي في ظل المنعطفات التقنية المعاصرة لم يعد مجرد حارس لبوابة المعرفة أو ناقلا أمينا لمتونها فحسب فقد أضحى مطالبا بإعادة تعريف وجوده الأكاديمي برمته. ففي عصر تدفقت فيه المعلومات عبر الفضاءات السيبرانية بغزارة فاقت قدرة الاستيعاب التقليدية، تداعت رمزية “الأستاذ الملقن” الذي يستمد سلطته من احتكار المعلومة ليحل محلها نموذج الأكاديمي الذي يتقن صناعة الوعي وتوجيه العقل في بيئات رقمية بالغة التعقيد.

لذا فإن التحول الجوهري الذي يجب أن يجسده الأستاذ اليوم يكمن في الانتقال من دور “المصدر الوحيد” إلى دور “المهندس المعرفي” والميسّر الرقمي. فالمعرفة لم تعد محبوسة في المراجع الورقية أو القاعات المغلقة فقد باتت مشاعة، مما يفرض على الأكاديمي أن يكون بارعا في تطويع الأدوات التكنولوجية كأدوات اشتباك حقيقي مع العصر، لا مجرد قشور تزيينية. فالأستاذ الذي يكتفي باجترار المناهج القديمة ويرفض الانخراط في آليات التعلم الذكي، إنما يحكم على نفسه بعزلة اختيارية، ويقطع خيوط التواصل مع جيل من الطلبة ولدوا في أحضان الرقمنة ويتحدثون لغتها بطلاقة.

إن هذا الاستحقاق يفرض على الأستاذ امتلاك ناصية التكنولوجيا ليحولها إلى جسر يعبر من خلاله نحو آفاق بحثية وتعليمية أكثر تفاعلية وعمقا. فالإتقان هنا لا يعني مجرد الإلمام بالوسائل، بل القدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والمنصات التفاعلية لخدمة الفكر النقدي والبناء المعرفي الرصين. إنها دعوة للمغادرة الفورية لمربع الانتظار فالوقوف عند عتبات الماضي في زمن الانفجار الرقمي ليس مجرد نكوص مهني، بل هو انفصال عن الواقع سيجعل الأستاذ غريباً في قاعة الدرس، ومحاصرا في دائرة تاريخية لا تنتج إلا فكرا معلبا لا صدى له في حاضر يركض نحو المستقبل بسرعة الخوارزميات.

ختاما : إن البقاء في صدارة المشهد الأكاديمي بات مرهونا بالقدرة على الابتكار التقني فإما أن يكون الأستاذ فاعلا في صياغة هذا التحول بوصفه “رأس الحربة” في التغيير، أو أن يتجاوزه الزمن. فالمرحلة لا تقبل الانتظار، والريادة المعرفية اليوم هي لمن يطوع التكنولوجيا لصناعة مستقبل الإنسان.

*هذا مع كامل الود*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى