مقالات

السودان وأسمرا…حين تصنع الشعوب جسور العبور

اسماعيل شريف يكتب…

 

بينما تتجه القارة الإفريقية اليوم نحو تخفيف قيود الحركة وفتح الحدود أمام شعوبها، تبدو العلاقات بين السودان وإريتريا واحدة من النماذج التي تؤكد أن الروابط الشعبية قادرة دائماً على تجاوز الحواجز السياسية وصناعة واقع أكثر تماسكا واستقرارا.

 

فالعلاقة بين الخرطوم وأسمرا لم تكن في يوم من الأيام مجرد علاقة بين دولتين جارتين، بل ظلت علاقة ممتدة الجذور تشكلت عبر التاريخ والجغرافيا والتداخل الإنساني والثقافي والاجتماعي. فالشعبان تجمعهما حدود طويلة وحركة تواصل قديمة، كما تتداخل القبائل والعادات والتقاليد والمصالح الاقتصادية بصورة جعلت من العلاقة بين البلدين علاقة يومية يعيشها الناس قبل أن تعبر عنها البيانات الرسمية.

 

وعلى امتداد العقود الماضية مرت العلاقات السودانية الإريترية بمراحل متعددة، تراوحت بين التقارب والتوتر تبعاً للظروف السياسية الإقليمية، لكن ما ظل ثابتاً هو قدرة الشعبين على الحفاظ على خيوط التواصل الإنساني والاجتماعي، وهو ما منح العلاقة دائماً فرصة للعودة إلى مسارها الطبيعي مهما تعقدت الخلافات السياسية.

 

وقد لعب السودان دوراً مهماً في مراحل مختلفة من تاريخ إريتريا الحديث، سواء خلال سنوات الكفاح الإريتري أو بعد الاستقلال، كما استقبل السودان أعداداً كبيرة من اللاجئين الإريتريين الذين وجدوا في المدن والقرى السودانية امتداداً طبيعياً لهم، الأمر الذي رسخ شعوراً عميقاً بالمصير المشترك بين البلدين.

 

وفي المقابل ظلت أسمرا تنظر إلى السودان باعتباره عمقاً استراتيجياً واجتماعياً مهماً في منطقة القرن الإفريقي، كما ساهمت العلاقات الشعبية والتجارية وحركة الحدود في خلق حالة من الاعتماد المتبادل بين المجتمعين السوداني والإريتري.

 

واليوم، ومع تصاعد الدعوات الإفريقية إلى حرية التنقل وفتح الحدود أمام الشعوب، تبدو تجربة السودان وإريتريا مؤهلة لتقديم نموذج عملي لفكرة التكامل الإفريقي القائم على التواصل الشعبي قبل الاتفاقيات الرسمية. فحركة المواطنين بين البلدين، والتبادل التجاري، والروابط الأسرية، والتعاون الثقافي، كلها تؤكد أن شعوب المنطقة أكثر استعداداً للانفتاح والتعايش مما تعكسه أحياناً الحسابات السياسية الضيقة.

 

كما لعب التمثيل الدبلوماسي الرسمي دوراً مهماً في تعزيز العلاقات الثنائية واحتواء الكثير من التعقيدات التي فرضتها التحولات الإقليمية. فقد ظلت السفارة السودانية في أسمرا واحدة من الجسور الأساسية للتواصل بين البلدين، ليس فقط في الجانب السياسي، بل أيضاً في متابعة قضايا المواطنين وتعزيز العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

 

وفي هذا الإطار، برزت جهود السفير السوداني الحالي في أسمرا السيد السفير أسامة عبد الباري في دعم مسار العلاقات الثنائية وتعزيز التواصل الرسمي والشعبي، من خلال الحضور المستمر في مختلف الأنشطة والفعاليات، والعمل على تقريب وجهات النظر، وفتح قنوات التواصل مع المؤسسات الرسمية والمجتمعية الإريترية، إلى جانب الاهتمام بقضايا السودانيين المقيمين في إريتريا وتسهيل أوضاعهم.

 

كما ساهم النشاط الدبلوماسي في الحفاظ على حالة من التنسيق والتفاهم بين البلدين في ظل التحديات التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي، حيث أصبحت الدبلوماسية الهادئة والتواصل المباشر من أهم أدوات حماية المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

 

إن العلاقات السودانية الإريترية تؤكد أن مستقبل إفريقيا لا يمكن أن يبنى فقط عبر الاتفاقيات السياسية الكبرى، بل عبر الإنسان الإفريقي نفسه، حين يشعر أن الحدود ليست جداراً للفصل وإنما مساحة للتواصل والتعاون وتبادل المنافع.

 

وربما تكون أهم رسالة تقدمها تجربة السودان وأسمرا اليوم هي أن الشعوب قادرة دائماً على ترميم ما تفسده السياسة، وأن الروابط الإنسانية والثقافية تظل أقوى من الأزمات العابرة. فكل خطوة نحو تسهيل الحركة والتواصل بين الشعوب الإفريقية تمثل استثماراً مباشراً في السلام والاستقرار والتنمية.

 

إن إفريقيا الجديدة التي تحلم بها شعوب القارة لن تصنعها الجغرافيا وحدها، بل تصنعها أيضاً إرادة الانفتاح والتكامل، والإيمان بأن قوة القارة الحقيقية تكمن في قدرة شعوبها على العبور نحو بعضها البعض بلا خوف ولا عزلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى