من أرصفة الانتظار إلى ريادة الفعل: كيف يقتل الوعي الرعائي حيوية المجتمعات؟

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب….جرعة وعي
تأملت يوما في حال المجتمعات التي تقف على أرصفة الانتظار ترقب أفقا بعيدا لعل قطار الحلول الرسمية أو المعونات الخارجية يأتي ليرفع عنها وعثاء الواقع فأدركت أن المعضلة الأكبر لا تكمن في شح الموارد بل في ذوبان إرادة الفعل والوقوع في أسر “الوعي الرعائي” الذي يحيل الإنسان من صانع للتحول إلى مستهلك للمبادرات. هذه الاتكالية المزمنة التي تجعل المرء يستثقل إماطة الأذى عن طريقه أو صيانة مرفق يرتاده انتظارا لبلدية تمر أو لجهة تمنح هي في عمقها استقالة اختيارية من واجب الاستخلاف الذي أوجبه الله على البشر إذ كيف يستقيم عقل يرجو نماء بيئته وهو يقف موقف المتفرج الصامت، متناسيا أن المجتمعات لا تنهض بالهبات ولكن بوهج السعي وعرق المبادرة الذاتية.
فالمتأمل في فقه الوحيين يجد أن الإسلام وضع حدا صارما لهذه السلبية وقطع دابر التواكل الذي يتشح زيفا بعباءة الانتظار فالقرآن الكريم يقرر في سننه الكونية الصارمة قانونا لا يتبدل، حيث يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الرعد : “إن اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”
وهي دعوة صريحة للبدء بالداخل وهدم جدران الصمت والتقاعس، والانتقال من مربع المفعول به إلى فضاء الفاعل المشتبك مع تفاصيل واقعه. ولم يقف التوجيه الإلهي عند حدود الوعظ الكلي، بل نفذ إلى عمق المسؤولية الفردية التي تتشكل منها الروح الجماعية، مصداقا لقوله جل وعلا في سورة التوبة : “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”
فالرؤية والتقييم والجزاء كلها معلقة على شرط العمل والابتدار لا على الأمنيات الرخوة التي تقتات على الانتظار.
وعلى ذات النهج القاصد جاءت السنة النبوية المطهرة لترسخ ثقافة المبادرة الجهدية في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع المحلي محولة النظافة وإصلاح البيئة من مجرد ترف أو وظيفة مؤسسية، إلى عبادة وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه. فعندما يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول : «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» فهو لا يضع تشريعا عابرا ولكن يبني فلسفة اجتماعية قوامها أن كل فرد هو حارس على ثغرة بيئته، وأن العناية بالمرفق العام هي جزء أصيل من عقيدة المسلم. ويتعاظم هذا المعنى ويتحول إلى دعوة للإنتاج الذاتي والاعتماد على النفس عندما يعلن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام : «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» ليكون العمل اليدوي والجهد الذاتي هما المعيار الأسمى لكرامة الإنسان وحيوية المجتمع.
فالخروج من تيه هذه الاتكالية الممرضة يتطلب اليوم ثورة مفاهيمية تعيد صياغة علاقة الفرد بمحيطه وعندها سيدرك كل مواطن أن الحي الذي يسكنه، والمدرسة التي يتعلم فيها أبناؤه، والمركز الذي يتداوى فيه، كلها مساحات تنتمي إليه قبل أن تنتمي لأي سلطة تديرها. وعندما تنبت في النفوس ثقافة “الفزعة” الواعية والعمل الطوعي المنظم لإصحاح البيئة وصيانة المنافع المشتركة، يتوارى الوعي الرعائي العاجز، وتتحول المجتمعات من كتل بشرية تنتظر العون، إلى خلايا نحل تصنع الحياة بيدها، مسترشدة بهدي السماء الذي جعل السعي قرين الوجود، والمبادرة عنوان الإيمان الحقيقي.
هذا مع كامل الود
*تفسير: الوعي الرعائي هو الاتكالية وإسقاط المسؤولية : غياب المبادرة الذاتية، وشلل حس المسؤولية الفردية والجماعية تجاه الفضاء العام والمرافق المشتركة، مع إلقاء اللوم الدائم على الجهات الرسمية عند حدوث أي خلل، حتى وإن كان إصلاحه يتطلب جهدا محليا بسيطا*



