مقالات

حسن الاختيار… مفتاح النجاح وأول امتحان لوالي جنوب كردفان

د. البشير الحسن أبونخل يكتب…

 

ليست لحظة تعيين والي جديد مجرد انتقال للسلطة، وإنما هي بداية عقد جديد بين الدولة والمواطن. وفي هذه اللحظة لا يسأل الناس عن عدد القرارات التي سيصدرها الوالي، ولا عن كثافة ظهوره الإعلامي، وإنما يتطلعون إلى السؤال الأكثر حسماً: *من هم الرجال والنساء الذين سيعهد إليهم بإدارة شؤون الولاية؟*

 

ذلك أن التاريخ السياسي والإداري يعلمنا أن نجاح القادة لا يصنعه الأفراد وحدهم، بل تصنعه *فرق عمل تمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية*. فما أكثر من امتلكوا الصلاحيات، لكنهم أخفقوا لأنهم أحاطوا أنفسهم *بضعاف الكفاءة وأصحاب الولاءات الضيقة*. وما أكثر من واجهوا ظروفاً بالغة الصعوبة، ثم نجحوا لأنهم أحسنوا اختيار من يعملون معهم.

 

وجنوب كردفان ليست ولاية تحتمل أخطاء البدايات. فهي ولاية تختزن ثروات زراعية وحيوانية ومعدنية كبيرة، وتتمتع بتنوع اجتماعي وثقافي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن استثماره، أو سبباً لمزيد من التعقيد إذا أسيئت إدارته. وقد دفعت الولاية خلال العقود الماضية أثماناً باهظة بسبب الحرب وتعثر التنمية، حتى أصبحت الحاجة إلى إدارة رشيدة ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

 

إن أول امتحان حقيقي أمام الوالي الجديد لن يكون في الخطط ولا في الشعارات، وإنما في اختيار حكومته. فالوزير أو المدير العام أو المسؤول التنفيذي ليس مجرد اسم في كشف التعيينات، بل هو شريك في صناعة القرار، وواجهة للدولة أمام المواطنين، وأمين على مصالح الناس وأموالهم.

 

ولهذا جاء المنهج الإسلامي واضحاً في تقديم معيار القوة والأمانة على كل ما سواه. قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، وقال سبحانه في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾. وجاء في الحديث الشريف: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وهذه النصوص ليست مواعظ تُتلى فحسب، بل قواعد للحكم الرشيد والإدارة السليمة.

 

إن الشورى ليست ضعفاً في القيادة، بل هي من أعظم أسباب قوتها. والقائد الواثق من نفسه لا يخشى الرأي الآخر، ولا يستنكف عن الاستماع لأهل الخبرة والاختصاص، بل يدرك أن تعدد وجهات النظر قبل اتخاذ القرار يقلل احتمالات الخطأ، ويزيد فرص النجاح، ويمنح القرار قبولاً مجتمعياً أوسع.

 

ومن هنا، فإن المطلوب من والي جنوب كردفان أن يفتح أبواب المشورة أمام العلماء، والأكاديميين، والمهنيين، والخبراء، والإدارات الأهلية، والمرأة، والشباب، وكل أصحاب الكفاءة، وأن يجعل معيار الاختيار هو القدرة على الإنجاز، والاستقامة، والخبرة، لا الاعتبارات الشخصية أو الضغوط السياسية أو المجاملات الاجتماعية.

 

كما أن حكومة الولاية يجب أن تعكس روح العدالة في الاستفادة من الكفاءات الموجودة في مختلف محليات جنوب كردفان، دون إقصاء أو تهميش، ودون أن يتحول هذا التنوع إلى محاصصة تُضعف الأداء. فالتوازن الحقيقي لا يتحقق بتوزيع المناصب، وإنما بإعطاء كل منصب لمن هو الأقدر على حمل أمانته.

 

وتواجه الولاية اليوم ملفات معقدة لا يمكن إدارتها بعقلية تقليدية؛ فهناك تحديات الأمن والاستقرار، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، وتحسين الخدمات الأساسية، وتنشيط الزراعة والثروة الحيوانية، وجذب الاستثمار، واستثمار الموارد التعدينية، وتأهيل البنية التحتية، وبناء مؤسسات حكم محلي فاعلة. وهذه الملفات تحتاج إلى فريق تنفيذي يعمل بعقل الدولة، لا بمنطق المصالح الضيقة.

 

*لقد سئم المواطن من تبدل الوجوه مع بقاء الأزمات على حالها* . وهو لا ينتظر حكومة تتقن تبرير الإخفاق، بل حكومة تمتلك الإرادة والكفاءة لتحويل الإمكانات الهائلة التي تزخر بها جنوب كردفان إلى واقع ينعكس على حياة الناس أمناً، وخدمات، وتنمية، وفرص عمل.

 

إن الوالي الجديد أمام فرصة قد لا تتكرر؛ *فرصة لتأسيس مدرسة في الإدارة قوامها الشورى، والشفافية، والمساءلة، والكفاءة، واحترام المال العام.* وإذا أحسن البداية، سهل عليه مواصلة الطريق، أما إذا تعثرت الخطوة الأولى، فإن إصلاح المسار سيكون أكثر كلفة وصعوبة.

 

وفي الختام، فإن الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في ذهن كل من يتولى المسؤولية هي أن *المناصب زائلة، أما الأثر الباقي فهو ما يقدمه الإنسان لوطنه ولشعبه.* وسيذكر التاريخ الوالي الذي أحسن اختيار رجاله ونسائه، وبنى مؤسسات قوية، وقدم مصلحة جنوب كردفان على كل مصلحة، وجعل من الشورى منهجاً، ومن الكفاءة معياراً، ومن خدمة المواطن غايةً لا يحيد عنها.

 

فحسن الاختيار ليس مجرد قرار إداري، بل هو القرار الذي تتوقف عليه بقية القرارات، وهو المفتاح الذي يفتح أبواب النجاح، أو يغلقها منذ اليوم الأول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى