بقلم: د. البشير الحسن أبونخل….حين يتحول رأس المال إلى موقف وطني.. السوباط يفتح باب النفير لجامعة شرق كردفان

دعم الجامعة ليس منّةً.. بل استثمار في الإنسان وصناعة المستقبل
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات، وتتعاظم فيه احتياجات المؤسسات الوطنية، يصبح للمواقف الصادقة أثرٌ يتجاوز قيمة الدعم المادي إلى ما هو أعمق: إسناد فكرة، وحماية رسالة، وصيانة مستقبل أجيال بأكملها.
ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة رجل الأعمال هشام حسن محمد أحمد «السوباط»، رئيس مجلس إدارة جامعة شرق كردفان، لإطلاق نفير لدعم الجامعة واستكمال بنيتها التحتية، باعتبارها خطوة تستحق الإشادة والتقدير، ليس فقط لأنها تستهدف توفير احتياجات مادية ملحّة، وإنما لأنها تعكس فهماً حقيقياً لدور القطاع الخاص ورجال الأعمال في معركة البناء الوطني.
إن جامعة شرق كردفان ليست مجرد مبانٍ وقاعات دراسية ومعامل ومكاتب إدارية؛ إنها مشروع إنساني وعلمي واجتماعي، ورافعة أساسية من روافع التنمية في كردفان، ومؤسسة تحمل على عاتقها مسؤولية إعداد أجيال قادرة على خدمة مجتمعها ووطنها.
ولذلك فإن حديث السوباط عن أن الجامعة تمثل «إحدى أولويات اهتماماتنا» ينبغي أن يُقرأ باعتباره التزاماً عملياً، لا مجرد عبارة بروتوكولية. فإعلانه تبني مجلس إدارة الجامعة لمبادرة «نفير جامعة شرق كردفان» يفتح الباب أمام عمل مؤسسي واسع يمكن أن تتضافر فيه جهود إدارة الجامعة، ورجال الأعمال، وأبناء كردفان الكبرى عامة والمنطقة الشرقية خاصة في الداخل والخارج، والخيرين، وكل من يؤمن بأن التعليم هو أحد أهم خطوط الدفاع عن مستقبل السودان.
الجامعة في قلب معركة الصمود
تأتي هذه المبادرة في وقت تواجه فيه جامعة شرق كردفان ظروفاً بالغة التعقيد، شأنها شأن العديد من المؤسسات التعليمية في البلاد.
ورغم التحديات الأمنية، وما تعرضت له الجامعة من استهداف طال عدداً من مرافقها، لم تتوقف رسالتها الأكاديمية، بل واصلت الدراسة في كلياتها وتخصصاتها المختلفة، واستمرت في أداء واجبها تجاه طلابها.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لصمود الجامعة.
الجامعة.. مقاومة مدنية وبناء للمستقبل
وفي الوقت الذي تتسبب فيه الحرب في تعطيل مؤسسات الدولة وإبطاء عجلة الحياة، تصبح مواصلة العملية التعليمية فعلاً من أفعال المقاومة المدنية والبناء الوطني. ومن هنا تكتسب مبادرة السيد هشام حسن محمد أحمد «السوباط» لدعم جامعة شرق كردفان قيمة تتجاوز حدود الدعم المادي المباشر؛ فهي رسالة بأن التعليم لا ينبغي أن يكون ضحية أخرى من ضحايا الحرب، وأن المؤسسات الأكاديمية يجب أن تظل حاضرة وقادرة على أداء رسالتها مهما كانت الظروف.
إن استمرار جامعة شرق كردفان في أداء دورها يعني أن أبناء المنطقة ما زالوا يتمسكون بحقهم في المستقبل، وأن كردفان، رغم ما تمر به من تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية، لن تتخلى عن العلم ولا عن بناء الإنسان. فالجامعة ليست مجرد قاعات للدراسة أو مؤسسة تمنح الشهادات، وإنما هي مصنع للكوادر والعقول، ورافعة للتنمية، وركيزة أساسية في إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
ولذلك فإن النفير الذي دعا إليه السوباط ينبغي النظر إليه باعتباره استثماراً في الإنسان وفي مستقبل شرق كردفان وكردفان الكبرى بل السودان بأسره؛ فكل مقعد دراسي يبقى مفتوحاً، وكل أستاذ يواصل رسالته، وكل طالب يتمكن من إكمال تعليمه، هو لبنة في السودان الذي نريده بعد الحرب: أكثر علماً، وأكثر قدرة على النهوض، وأكثر استعداداً لبناء دولة مستقرة وقادرة على صناعة مستقبلها.
وهنا تتجلى قيمة الشراكة بين القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع؛ فالدولة وحدها قد لا تستطيع، في ظل ظروف الحرب، أن تتحمل كل أعباء البناء، ولذلك يصبح إسناد رجال الأعمال والمجتمع للجامعات عملاً وطنياً يستحق التشجيع، متى ما اتجه إلى مؤسسات التعليم والإنتاج والخدمات التي تمس حياة المواطنين ومستقبلهم بصورة مباشرة.
لقد خرّجت الجامعة خلال السنوات الماضية أعداداً مقدرة من الطلاب والطالبات في مختلف التخصصات، وأصبح خريجوها جزءاً من نسيج المجتمع وسوق العمل، وهي تستعد لتخريج دفعات جديدة، الأمر الذي يؤكد أن الجامعة لم تسمح للظروف الاستثنائية بأن تنتزع منها رسالتها.
«نفير جامعة شرق كردفان».. الفكرة أكبر من الدعم
أهمية المبادرة لا تكمن فقط في الأموال التي يمكن أن تُجمع أو المشروعات التي يمكن أن تُنفذ، وإنما في تحويل دعم الجامعة إلى مشروع مجتمعي تشترك فيه كردفان كلها لا شرقها وحده.
فالنفير، في الوجدان السوداني، ليس مجرد حملة لجمع المال؛ بل هو قيمة اجتماعية متجذرة، تقوم على أن يتقدم الجميع بما يستطيعون عندما يكون الهدف مشتركاً.
ومن هنا فإن دعوة السوباط لأبناء الولاية ورجال الأعمال والخيرين للمشاركة في النفير ينبغي أن تجد صداها.
فالجامعة ملكٌ للمجتمع قبل أن تكون مؤسسة أكاديمية، وكل جنيه يُنفق في تأهيل قاعة أو معمل أو مكتبة أو أي منشأة جامعية أخرى هو في حقيقته استثمار في طالب سيصبح معلماً أو طبيباً أو مهندساً أو باحثاً أو إدارياً أو قائداً مجتمعياً.
وهذا هو الاستثمار الذي لا ينبغي أن تتردد فيه الدولة ولا القطاع الخاص ولا المجتمع.
المطلوب تحويل المبادرة إلى مشروع مؤسسي مستدام
الإشادة بالمبادرة لا تعني الاكتفاء بإطلاقها؛ فالرهان الحقيقي يبدأ بعد الإعلان عنها.
وحتى تحقق مبادرة «نفير جامعة شرق كردفان» أهدافها، فإن المطلوب أن تتحول إلى خطة واضحة ذات أولويات ومراحل ومواعيد تنفيذ ومصادر تمويل محددة، بحيث تبدأ بالأكثر إلحاحاً، ثم تنتقل تدريجياً إلى استكمال بقية الاحتياجات.
كما أن حصر الاحتياجات الذي تعمل عليه إدارة الجامعة يمثل خطوة مهمة، لأنه يضمن توجيه الموارد إلى المشروعات الأكثر تأثيراً في استقرار العملية التعليمية.
والأهم من ذلك أن تكون هناك شفافية كاملة في تحديد الاحتياجات، وتحصيل التبرعات، وأوجه الصرف، ونسب الإنجاز؛ حتى يطمئن كل مساهم إلى أن مساهمته ذهبت إلى المكان الصحيح.
رسالة إلى رجال الأعمال وأبناء كردفان عامة
إن مبادرة السوباط يمكن أن تكون بداية لنموذج أوسع.
فكردفان تزخر برجال أعمال وقيادات مجتمعية وأبناء منتشرون في مختلف أنحاء السودان وخارجه، ولديهم القدرة على الإسهام في إعادة بناء مؤسسات الولاية.
واليوم، ربما تكون جامعة شرق كردفان من أكثر المؤسسات استحقاقاً للوقوف إلى جانبها.
فليست القضية قضية جامعة وحدها، وإنما قضية جيل كامل من الطلاب، وقضية مستقبل مجتمع، وقضية وطن يحتاج إلى مؤسساته التعليمية أكثر من أي وقت مضى.
ومن هنا فإن النفير ينبغي ألا يتوقف عند حدود مجلس الإدارة، بل يتحول إلى مبادرة مجتمعية واسعة، يشارك فيها كل قادر على العطاء، كلٌّ بحسب استطاعته.
السوباط.. موقف يُحسب له
في النهاية، فإن ما قام به هشام السوباط يستحق الإشادة؛ لأنه يضع رجل الأعمال أمام مسؤوليته الاجتماعية والوطنية، ويؤكد أن دور أصحاب المال لا ينبغي أن يقتصر على النشاط التجاري والاستثماري، بل يمتد إلى المساهمة في حماية مؤسسات المجتمع وصناعة المستقبل.
والجامعة من أهم المؤسسات التي تستحق هذا الدعم.
إن جامعة شرق كردفان، وهي تواصل أداء رسالتها رغم الحرب والاستهداف والظروف الصعبة، تحتاج اليوم إلى أن تجد حولها مجتمعاً يساندها، ورجال أعمال يقفون إلى جانبها، ومجلس إدارة يترجم التزامه إلى مشروعات، وإدارة جامعية تواصل العمل بروح المسؤولية.
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها تقول بوضوح:
إن الحرب مهما طال أمدها لن توقف مسيرة العلم، وإن ما تهدمه الحرب يمكن أن تبنيه الإرادة، وإن كردفان التي تعرف معنى النفير قادرة على أن تجعل من «نفير جامعة شرق كردفان» عنواناً جديداً للصمود والبناء.
فالجامعة لا تبني جدراناً فحسب؛ إنها تبني الإنسان.
وحين يدعم الإنسان الجامعة، فإنه في الحقيقة يدعم مستقبل كردفان ومستقبل السودان كله.



