الأعمدة ومقالات الرأي

*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*  *في أي عصر نعيش؟ حين يتحول التحديث الرقمي إلى صفوف ورقية*

 

أحيانا تكون الصورة أبلغ من كل البيانات والخطط والشعارات.

صفوف طويلة من المواطنين أمام مؤسسة مصرفية ينتظرون دورهم لتحديث بياناتهم يحملون مستنداتهم ويتحملون مشقة الانتظار ثم يغادرون بإيصال ورقي.

مشهد يفرض سؤالا مشروعا لا ينبغي أن يفهم بوصفه اعتراضا على مبدأ تحديث البيانات وإنما بوصفه تساؤلا حول كيفية تقديم الخدمة في زمن يفترض أننا نمضي فيه نحو التحول الرقمي : في أي عصر نعيش؟

لا خلاف على أن تحديث بيانات العملاء فهو إجراء مصرفي مهم جدا وأن التحقق من الهوية واستيفاء متطلبات الامتثال وحماية النظام المالي من الاحتيال وغسل الأموال وغيرها من المخاطر أمور لا يمكن التهاون فيها أبدا .

ولكن التحول الرقمي لا يلغي هذه المتطلبات فهو يبحث عن طرق أكثر كفاءة وأمانا لتنفيذها.

وهنا تحديدا تكمن القضية.

فالتحول الرقمي لا يعني أن نحتفظ بالإجراء التقليدي نفسه، ثم نضيف إليه مصطلحا حديثا وليس المقصود بالرقمنة أن نضع واجهة إلكترونية فوق منظومة لا تزال تعتمد في جوهرها على الحضور الشخصي والورق والانتظار.

التحول الرقمي الحقيقي هو إعادة تصميم الخدمة من أساسها، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لتيسير حياة المواطن لا وسيلة لإعادة ترتيب معاناته.

فإذا كان من الممكن وفقا للبنية التقنية والتشريعات ومتطلبات الأمن المصرفي، أن يتاح للعميل تحديث بياناته عبر رابط إلكتروني آمن أو من خلال التطبيق المصرفي والتحقق من هويته إلكترونيا ورفع المستندات المطلوبة، ثم تلقي إشعار إلكتروني موثق بإتمام العملية، فلماذا لا يكون ذلك هو المسار الأساسي؟

وإذا كانت بعض الحالات تستدعي حضورا شخصياً لأسباب تتعلق بالتحقق أو البصمة أو طبيعة المستندات، فلا بأس ولكن ينبغي أن يكون الحضور استثناءا تفرضه الضرورة، لا قاعدة تفرض على الجميع.

والأمر هنا لا يتعلق براحة المواطن فحسب، وإنما بكفاءة المؤسسات نفسها. فالصفوف الطويلة تعني وقتا ضائعا للمواطن والموظف، واستهلاكا أكبر للموارد، وضغطا على المرافق وتكاليف إضافية تتحملها الأسر في المواصلات والوقت والجهد.

وفي السودان اليوم، تصبح المسألة أكثر حساسية فالمواطن يعيش ظروفا استثنائية فرضتها الحرب والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية. وهناك مواطنون يعيشون بعيدا عن مناطقهم وخارج دولتهم وآخرون يقطعون مسافات طويلة للحصول على خدمة كان يمكن من حيث المبد أن تتاح لهم عن بعد .

في مثل هذه الظروف، يصبح تبسيط الإجراءات مسؤولية مؤسسية وأخلاقية في آن واحد.

فاحترام المواطن لا يكون فقط بحسن استقباله داخل المؤسسة، وإنما أيضا بتصميم خدمة لا تضطره إلى الحضور إلا عندما يكون حضوره ضروريا .

والتحول الرقمي في جوهره ليس قضية تقنية فقط إنه ثقافة إدارية وفلسفة في تقديم الخدمة.

إنه أن نسأل قبل تصميم أي إجراء:

هل يحتاج المواطن فعلا إلى الحضور؟

هل نحتاج فعلا إلى الورقة؟

هل يمكن التحقق من الهوية إلكترونيا؟

هل يمكن حفظ المستند وإرسال الإشعار رقميا؟

هل يمكن إنجاز المعاملة من الهاتف؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فإن الإبقاء على الإجراءات التقليدية يصبح بحاجة إلى تفسير.

لقد تجاوز العالم مرحلة النظر إلى الرقمنة باعتبارها مجرد استخدام للحاسوب أو إطلاق التطبيقات. اليوم تقاس جودة التحول الرقمي بمدى قدرته على إعادة هندسة الإجراءات وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتقليل التكلفة والوقت، وتحسين تجربة المستفيد، مع الحفاظ على الأمن والخصوصية والامتثال. ولهذا، فإن معيار نجاح التحول الرقمي ليس عدد التطبيقات والمنصات التي أطلقتها المؤسسات وإنما مقدار التغيير الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية.

وإذا كان التطبيق موجودا، لكن المواطن لا يزال مضطرا إلى الوقوف في الصف

وإذا كانت الخدمة «رقمية»، لكن الورقة لا تزال شرطا أساسياً

وإذا كان بالإمكان بدء المعاملة إلكترونيا ثم لا بد من الحضور لإنهائها

فإننا بحاجة إلى مراجعة تجربة التحول الرقمي نفسها، لا إلى زيادة عدد الشعارات حولها.

المواطن لا يحتاج إلى أن يسمع عن التحول الرقمي بل يحتاج إلى أن يلمس أثره.

يحتاج إلى خدمة أسرع وأبسط، وأكثر شفافية وأمانا.

يحتاج إلى أن توفر له التكنولوجيا ما وعدته به : اختصار الوقت والمسافة والجهد.

ومن هنا، فإن مشهد الصفوف الورقية ينبغي ألا يقرأ باعتباره مجرد مشهد عابر ولكن باعتباره فرصة لمراجعة الطريقة التي نفكر بها في التحول الرقمي في مؤسساتنا.

ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال:

«كيف نرقمن الإجراء الحالي؟»

إلى سؤال أكثر أهمية:

هل نحتاج إلى هذا الإجراء بهذه الصورة أصلا؟

فقد تكون المشكلة أحيانا ليست في غياب التكنولوجيا وإنما في استمرار عقلية إدارية صممت في زمن مختلف.

إن السودان الذي يتطلع إلى بناء دولة حديثة ومؤسسات أكثر كفاءة يحتاج إلى تحول رقمي حقيقي يبدأ من احتياجات المواطن ويضع كرامته ووقته وموارده في قلب عملية التصميم. فالرقمنة الحقيقية ليست أن يتحول الورق إلى شاشة فقط، وإنما أن يتحول الإجراء نفسه إلى خدمة أكثر ذكاءا وكفاءة وإنسانية.

ويبقى السؤال الذي تتركه تلك الصفوف الطويلة أمام أعيننا:

في أي عصر نعيش؟

هل نعيش فعلاً عصر التحول الرقمي؟

أم أننا ما زلنا في عصر نكثر فيه من الحديث عن الرقمنة بينما لا يزال المواطن واقفا في الصف؟

 

*هذا مع كامل الود*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى