مقالات

من احتكار المعرفة إلى صناعة المستقبل : الأستاذ الجامعي في عصر الخوارزميات

د. فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…

لم يعد العالم ينتظر الجامعات عند أبواب المستقبل لقد دخل المستقبل إلى قاعاتها وغير أدواتها، وأعاد ترتيب علاقتها بالمعرفة والطالب والمجتمع. فالتحول الرقمي الذي نسمع عنه كثيرا بين جنباتها ليس مجرد شاشة تحل محل السبورة، ولا محاضرة ورقية تتحول إلى ملف إلكتروني، وإنما هو تحول في فلسفة التعليم ذاتها ؛ من تعليم يقوم على نقل المعرفة إلى تعليم يصنع القدرة على إنتاجها ونقدها وتوظيفها. وفي قلب هذا التحول يقف الأستاذ الجامعي أمام سؤال لا يمكن تأجيله : إذا أصبحت المعلومة متاحة للجميع، فما الذي يبقى من دوره؟

الإجابة! يبقى الكثير… بل ربما يبدأ دوره الحقيقي من هنا. فالأستاذ لم يعد مطالبا بأن يكون مستودعا للمعلومات، وإنما يجب عليه أن يكون بوصلة للمعرفة يعلّم الطالب كيف يبحث، وكيف يتحقق، وكيف يقرأ ما وراء المعلومة، ويميز بين المعرفة العلمية والضجيج الرقمي وبين الحقيقة وما تصنعه الخوارزميات من محتوى.

ولقد تراجعت قيمة احتكار المعلومة، لكن ارتفعت قيمة الفهم، والتحليل، والنقد، وصناعة السؤال. ومن هنا، فإن الانتقال من التعليم التقليدي إلى التعليم الرقمي لا يتحقق بمجرد استخدام المنصات والأجهزة، بل يبدأ من الأستاذ نفسه من استعداده لمراجعة أدواته، وتطوير مهاراته والارتقاء بذاته والانفتاح على استخدام ادوات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والمصادر الرقمية، وتوظيفها لخدمة التعليم والبحث العلمي استكمالا للتحول الرقمي .

كما إن الذكاء الاصطناعي، في تقديري، ليس خصما للأستاذ الجامعي، وإنما اختبار جديد لقدرته على التطور. فالآلة تستطيع أن تسترجع المعلومة بسرعة مذهلة، لكنها لا ينبغي أن تحل محل العقل الذي يسأل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ وما سياقها؟ وما أثرها؟

وهنا تكمن القيمة التي لا ينبغي أن يفقدها التعليم الجامعي : الإنسانية. فالجامعة ليست مصنعا للمعلومات، وإنما فضاء لبناء الإنسان القادر على التفكير والمسؤولية. ولذلك فإن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يجب أن يسير بالتوازي مع ترسيخ النزاهة الأكاديمية، واحترام الملكية الفكرية، والتحقق من المصادر، وتعزيز التفكير المستقل. فجامعاتنا اليوم أمام فرصة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد استجابة تقنية. فالتحول الرقمي الحقيقي يحتاج إلى بنية تحتية، وسياسات واضحة، وتدريب مستمر، وقبل ذلك كله عقل أكاديمي مستعد للتغيير والمواكبة والانفتاح والارتقاء بصاحبه.

فالمنصة لا تصنع جامعة متقدمة، والأداة لا تصنع أستاذا متميزا؛ وإنما يصنعهما الإنسان الذي يعرف لماذا يستخدم التكنولوجيا، وكيف يطوعها في خدمة المعرفة والمجتمع. ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الأستاذ والآلة، وإنما بين الوعي والجمود.

ومن يرفض أدوات عصره لا يحافظ بالضرورة على أصالة دوره، وربما قد يفقد القدرة على مخاطبة جيل يعيش في عالم مختلف. لقد انتهى جيل الأستاذ الذي يستمد سلطته من امتلاك المعلومة، وبدأ عصر الأستاذ الذي يستمد مكانته من قدرته على صناعة الوعي، وتوجيه العقل، وإنتاج السؤال، وبناء المعرفة. وعندما تصبح المعلومة متاحة للجميع، لا يفقد الأستاذ قيمته… فحسب ولكن تنتقل قيمته من امتلاك المعرفة إلى صناعة الإنسان القادر على استخدامها والمشاركة في بناء وطن يضع المعرفة والابتكار في قلب مستقبله.

*هذا مع كامل الود والتقدير*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى