الجيش الأبيض ..!!

الطاهر ساتي يكتب….
:: ما حدث بمستشفى دنقلا التخصصي، ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو موبقة جديدة تنضم لسجل استضعاف الأطباء في بلادنا.. وأن تُهان طبيبة وتُضرب حتى تُصاب، فهذا هو قمة الانحطاط الأخلاقي وقاع السقوط.. والتحية واجبة للشرطة على سرعة الاستجابة والقبض على الجناة..!!
:: والحلول الأمنية وحدها لا تكفي لاجتثاث جذور الأزمة الممتدة.. للأطباء في أعناقنا دين قديم ومتجدد، فهم الذين يهبون لخدمة الناس وصون حياتهم بفضل الله وتوفيقه.. ثم إنهم تصدروا خنادق الدفاع الأول في هذه الحرب؛ لم يهربوا، ولم يغادروا المستشفيات وهي ترزح تحت القصف الحارق..!!
:: منهم من قُتل، ومنهم من أُسر وعُذب، ومع ذلك بقوا في مواقعهم يطببون جراح الوطن النازف بتجرد.. ومن المخجل والمخزي، أن تتحول العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض -أو مرافقه- إلى ساحة عداء معلن ومكتوم؛ فلا يوجد إنسان سوي يملك ذرة وعي يبرر العنف داخل قلاع الاستشفاء..!!
:: هناك المجلس الطبي للفصل في القضايا، والفيصل دائماً هو هيبة القانون، وليست لغة الشتائم و(العكاكيز).. ولو علم هذا المعتدي الجاهل كم يبلغ راتب الطبيب، وكم ساعة يطحنها في الخدمة لسد العجز والنقص، لأشفق عليه وبكى لأجله، بدلاً من إشهار سياط العنف والبلطجة في وجهه..!!
:: وبالمقابل، لا نبرئ الإدارات، فبؤسها وسوء تخطيطها هما المدخل الأكبر لصناعة هذا الغضب الذي ينفجر اعتداءً في نهاية المطاف.. يدخل المرافق بمريضه في حالة طارئة وحرجة، فلا يجد مرشداً يأخذ بيده، ولا يجد الطبيب المناوب نفسه لكثرة الضغط وشح الكادر، فيتصاعد التوتر وينفجر الإحباط..!!
:: كثيراً ما ناشدنا بأن إدارة المستشفيات يجب أن تذهب لأهل الإدارة المتخصصين.. فالطبيب يتقن المشرط والتشخيص ولا علاقة له بالعمل الإداري المالي، ولكن لا حياة لمن تنادي.. والمطلوب الآن ليس بيان شجب بائس، بل تفعيل نصوص القانون الرادع ليحمي الطبيب من (البلطجة)..!!
:: فالمعتدون لا يتجرأون إلا لأنهم يراهنون على (الأجاويد) وجلسات (باركوها يا جماعة).. كرامة الجيش الأبيض خط أحمر في دول العالم، والخطوط الحمراء لا يحميها حبر البيانات، بل تحميها هيبة الدولة وسيف القانون الصارم؛ فالقانون الذي لا يشل يد المعتدي يصبح مجرد حبر بلا قيمة ..!!
:: والأرقام الصادمة تكشف عن فاتورة دم باهظة يدفعها الجيش الأبيض في هذه الحرب.. أكثر من 231 طبيباً وكادراً صحياً ارتقوا شهداء منذ أبريل 2023 وحتى عامنا هذا 2026.. الموت لم يكن عابراً أو بالخطأ، بل جاء نتاج استهداف ممنهج واعتداءات طالت المستشفيات والمراكز..!!
:: والكارثة لا تتوقف عند حدود الموت، بل تمتد لزنازين الاعتقال التي تغص اليوم بـ 84 كادراً طبياً وطبيبة يعيشون في ظروف إنسانية بالغة السوء.. في سجون الفاشر وحدها يقبع 20 كادراً بينهم 4 طبيبات، بينما تطحن سجون نيالا العشرات وسط بيئة موبوءة بالأمراض والمعاملة القاسية..!!
:: وإلى جانب الشهداء والرهائن، تضم قائمة التضحيات أكثر من 511 مصاباً وجريحاً من العاملين في الحقل الصحي، أُصيبوا وهم يداومون وسط لهيب النار لتضميد جراح الآخرين.. هؤلاء الأبطال، بدلاً من أن نكرمهم ونرفع من شأنهم، نكافئهم اليوم بالضرب والإهانة.. فيا للعار..!!
:: والطبيب الذي يرفض الهجرة، ويختار البقاء وسط جحيم الحرب، وطاحونة الفقر، ومسغبة الجوع، وبيئة العمل البائسة؛ هذا الطبيب لا يستحق الضرب والإهانة، بل يجب أن تجسدوهم في تماثيل من الذهب وتطوفوا بها شوارع المدن، لا أن تشهروا في وجوههم السياط والعكاكيز.. فاستحوا..!!



