ذاكرة مثقوبة .. وأجندة مكشوفة

رشان أوشي تكتب…
لم يعد خافياً على أحد أن أبواق الميليشيا وحلفاءها السياسيين أطلقوا حملة إعلامية استباقية ومنظمة لتأليب الشعب السوداني ضد مصر، وذلك عقب إعلان الجيش المصري بدء المرحلة الرابعة من حملته الأمنية، بالتنسيق مع الحكومة السودانية، لملاحقة عصابات التنقيب غير المشروع عن الذهب و المتسللين عبر الحدود الجنوبية.
فما إن أعلنت القوات المسلحة المصرية تحذيراتها للمعدنين والمتسللين، حتى انطلقت أبواق حلفاء مليشيا “آل دقلو” في حملة محمومة، تهدف إلى تحويل الأنظار عن الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها الميليشيا يومياً بحق الأبرياء في دارفور ، وما يجري داخل سجن دقريس بنيالا، فضلاً عن حملات التهجير التي تشهدها مناطق النيل الأزرق.
والمفارقة المؤلمة أن الذين يتباكون اليوم على السيادة الوطنية ومصالح المعدنين ، ويملأون الميديا ضجيجاً، هم أنفسهم الذين ابتلعوا ألسنتهم ولزموا صمت القبور عندما قصفت المسيرات الإثيوبية محطات الكهرباء في عدد من الولايات السودانية، وأغرقت البلاد في ظلام دامس.
أين كانت تلك الأصوات حين تعطلت مصالح المواطنين، وتوقفت الخدمات، وواجه المرضى في المستشفيات تداعيات انقطاع الكهرباء؟ وأين كانت غيرتهم على الشعب السوداني عندما تعرضت محطات الوقود في جنوب كردفان وشرق السودان للقصف؟ لماذا لم نسمع يومها إدانة واحدة بحجم الاعتداء على البنية التحتية السودانية؟
إن من يتخذ قضية المعدنين ذريعة لإثارة العداء مع مصر، عليه أولاً أن يجيب عن موقفه من الاعتداءات التي طالت الأراضي والمنشآت السودانية بواسطة المسيرات الإثيوبية.
الحقيقة أن هؤلاء لا تحركهم مصلحة السودان ولا أوجاع شعبه، بقدر ما تحركهم أجندات سياسية. ولو كانوا حريصين بالفعل على دماء السودانيين وكرامتهم، لما ظلوا حتى اليوم يوفرون الغطاء السياسي والإعلامي لميليشيا الدعم السريع، ويبررون مجازرها وانتهاكاتها السابقة في ود النورة والخرطوم، والمستمرة في كردفان والفاشر، وغيرها من المناطق التي دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها.
لذلك، فإن المطلوب من السودانيين الوعي بطبيعة هذه الحملات، وعدم الانسياق وراء محاولات توظيف معاناة المواطنين لصناعة خصومات وهمية، أو تحويل القضايا الأمنية إلى معارك سياسية تخدم أجندة الميليشيا وحلفائها.
أما بشأن ما يجري على الحدود المصرية السودانية، فينبغي النظر إليه بموضوعية، بعيداً عن المزايدات. فقد أعلنت القوات المسلحة المصرية بوضوح أن عملياتها تستهدف عصابات التنقيب العشوائي والعناصر الإجرامية والمتسللة بحسب ما ورد في مؤتمر صحفي ، وأنها تجري على الحدود وبالتنسيق مع الدولة السودانية. وقد أسفرت المراحل الثلاث السابقة، وفق البيانات الرسمية، عن ضبط مئات المخالفين من المصريين والأجانب، ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، فيما تستعد القوات المصرية لإطلاق المرحلة الرابعة من حملتها.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: من حق مصر أن تؤمن حدودها، وتحمي أراضيها وثرواتها، وتتصدى لأي أنشطة غير قانونية داخل حدودها. وفي المقابل، فإن على المعدنين السودانيين الموجودين في مناطق التنقيب غير المشروع داخل الأراضي المصرية مغادرتها والعودة إلى الأراضي السودانية، والالتزام بالقوانين المنظمة للحدود.
فمن يختار مخالفة القوانين وعبور الحدود بصورة غير مشروعة، يتحمل المسؤولية القانونية المترتبة على ذلك، ولا ينبغي أن تتحول مخالفته إلى أزمة سياسية بين دولتين، أو إلى ذريعة لصناعة عداوة بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح والروابط الاجتماعية والإنسانية.
مصر ليست عدواً للسودان، والسودان ليس خصماً لمصر. وما يجمع الشعبين أكبر بكثير من أن تهزه الحملات الممنهجة ، أو أصوات تبحث عن عدو وهمي كلما ضاقت عليها مساحات المناورة، وانكشفت جرائم حلفائها.
محبتي واحترامي



