مقالات

الثروة المبددة..!!

الطاهر ساتي يكتب…

:: على هامش الفرح بالناجحين في امتحانات الثانوية، فلنفكر في قضية الذين لم يحالفهم الحظ في النجاح، وعددهم (169,936) طالبٍ وطالبةٍ، من إجمالي الجالسين للامتحانات (559,000) طالب وطالبة، وهم يشكلون نسبة (30.4%)، فيما نسبة النجاح (69.6%)، وعددهم (398,064) طالب وطالبة..!!

:: (169,936)، لم ينجحوا، وأغلبهم طلاب، لأن نسبة نجاح الطالبات هي الأعلى دائماً.. فالرقم كبير، وإن كان يبدو طبيعياً ومتوقعاً كنسبة مئوية (30.4%)، وذلك وفقاً لمعايير الشهادة، بحيث تاريخياً تتأرجح نسبة النجاح ما بين (65%) و (70%).. ومع ذلك، عدد الذين لم ينجحوا كبير، ويجب أن يقلق الجميع..!!

:: والمتوقع أن يختار بعضهم “إعادة العام” لينجحوا أو لتحسين نسبهم، وهذا يعني تضخم أعداد الطلاب في العام القادم..

وقد يتحول القليل نحو التعليم الفني، علماً أن شهادة التعليم الفني سجلت نسب نجاح عالية في هذا العام (90.3%)، ويتحول إليها البعض لتأمين مهنة سريعة في سوق العمل..!!

:: وفي كل دول العالم، ما عدا السودان طبعاً، يُعتبر التعليم الفني والمهني البديل الاستراتيجي لاستيعاب هذه الأعداد، لأن سوق العمل لا يتطلب فقط حملة الشهادات الأكاديمية النظرية، بل يفتقر بشدة للأيدي العاملة الماهرة، ويجدها فيمن اختاروا المسار الفني والمهني، بدلاً من الأكاديمي التقليدي..!!

:: لو كنا دولة، وكانت أنظمتنا مسؤولة، لتم توجيه هؤلاء الشباب نحو مراكز التدريب المهني لدراسة مجالات حيوية تحتاج إليها حياة الناس.. يتم تأهيل أمثالهم في الدول التي أنظمتها مسؤولة في مراكز صيانة الأجهزة، ميكانيكا ، الكهرباء العامة، والكثير من دبلومات التلمذة الصناعية والمهنية..!!

:: ولو كنا دولة، لربطنا مراكز التدريب بالمصانع ليتم تشغيلهم سريعاً، أو لدعمناهم لإنشاء مشاريعهم الخاصة الصغيرة، ولأطلقنا دورات تدريبية قصيرة (6 أشهر) في مجالات كثيرة، لأن سوق العمل الحديث لا يشترط شهادة جامعية، بقدر ما يبحث عن المهرة..!!

:: ولو كنا دولة، وكانت أنظمتنا مسؤولة، لتم تأهيل هؤلاء الشباب وتدريبهم على منصات العمل الحر، أي على كيفية تقديم كل أنواع الخدمات والتجارة عبر الإنترنت للأسواق المحلية والإقليمية، بما يدر عليهم دخلاً مستقلاً ويحميهم من البطالة والركود والمخدرات و(مخاطر السنابك)..!!

:: ولو كنا دولة، وكانت أنظمتنا مسؤولة، لتم تدريبهم وتأهيلهم وتوظيف طاقاتهم في مشاريع لا تحتاج لرأس مال ضخم ولا إلى شهادات عليا، بل لتدريب ميداني ومتابعة، كتربية الدواجن، تسمين العجول، المناحل وغيرها، وهذا أفضل من إهدار العمر في الأحلام المسماة بمدن الإنتاج الحيواني..!!

:: (169,936) طالب وطالبة، ليسوا عبئاً على الدول والأنظمة المسؤولة، بل هم ثروة بشرية نادرة.. فالرسوب الأكاديمي لا يعني الفشل في الحياة، بل هو مجرد إشارة حمراء لتغيير هذا المسار، لتنجح في مسار آخر.. وهؤلاء يمثلون سواعد متعطشة للإنتاج والابتكار، وفقط بحاجة لشرارة أمل وتوجيه حكيم ..!!

::لو كنا دولة ذات أنظمة مسؤولة، لتضافرت جهود الدولة والأسر ومنظمات المجتمع المدني لفتح المسارات البديلة لهؤلاء الشباب، ولشهدت بلادنا تحولاً لهذه الطاقات من دائرة الإحباط إلى قاطرة التنمية والإنتاج؛ ولكننا نعيش في ظل واقعٍ بارعٍ في تبديد الثروة البشرية، بمن فيهم “الزُّغْب الصغار”.!!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى