حكومة كامل إدريس… حين تتحول الدولة إلى خصمٍ للمغترب السوداني

متابعات :ريام نيوز
كتب محمد عثمان الرضي
تشكل شريحة السودانيين العاملين في دول المهجر واحدة من أكبر الكتل الوطنية خارج حدود البلاد، إذ يقدر عددهم بما يقارب ثمانية ملايين سوداني ينتشرون في الدول العربية والأوروبية ومختلف أنحاء العالم، يعملون في مهن شتى ويشكلون رافداً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله بأي حال من الأحوال.
هذه الشريحة لم تكن في يوم من الأيام مجرد جالية تبحث عن لقمة العيش خارج الوطن، بل تحولت عبر السنوات إلى خط إمداد اقتصادي حقيقي أنقذ السودان مرات عديدة من الانهيار الكامل عندما عجزت الحكومات المتعاقبة عن إدارة الاقتصاد.
خلال الحرب التي اجتاحت السودان، لم يقف المغتربون موقف المتفرج، بل كانوا في مقدمة الصفوف دفاعاً عن بلادهم، فخرجوا في العواصم العالمية في وقفات احتجاجية، ونظموا حملات إعلامية واسعة لكشف جرائم مليشيا الدعم السريع أمام الرأي العام الدولي.
في مدن الغرب الكبرى، نجح السودانيون في كسر جدار الصمت، وأوصلوا صوت بلادهم إلى المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام العالمية، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة السودانية غارقة في العجز والارتباك.
لقد لعب المغترب السوداني دور الدبلوماسي الشعبي الذي تحرك بإمكاناته الخاصة، بينما كانت مؤسسات الدولة الرسمية عاجزة عن أداء أبسط أدوارها في الدفاع عن السودان.
اقتصادياً، تشير التقديرات إلى أن تحويلات المغتربين يمكن أن تصل إلى نحو ثمانية مليارات دولار سنوياً إذا ما تمت عبر القنوات الرسمية للمصارف السودانية، وهو رقم كفيل بإنعاش اقتصاد كامل لو أحسن التعامل معه.
هذه المليارات ليست أموالاً عابرة، بل هي عصب حقيقي للاقتصاد الوطني، خاصة في ظل الحرب والانهيار الذي أصاب معظم قطاعات الدولة.
ورغم هذا الدور الضخم، ما زالت الحكومات السودانية تتعامل مع المغتربين بعقلية قديمة تقوم على الاستغلال والإهمال، وكأن هذه الشريحة مجرد ماكينة لتحويل الأموال لا أكثر.
في الدول التي تحترم مواطنيها، تمنح الحكومات للمغتربين امتيازات واسعة وتسهيلات كبيرة تشجعهم على تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية وتفتح أمامهم أبواب الاستثمار.
لكن في السودان تبدو الصورة معكوسة تماماً، إذ تتحول الدولة في كثير من الأحيان إلى أكبر معرقل لمصالح المغتربين بدل أن تكون حاضنة لهم.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك كان الامتياز الذي منحته الدولة للمغتربين العائدين نهائياً إلى السودان بالسماح لهم باستيراد سيارة مع إعفائهم من شرط الموديل، على أن يتم دفع الرسوم الجمركية وفق اللوائح المعمول بها.
هذا القرار في حينه اعتبر خطوة متأخرة لكنها إيجابية تعترف ولو جزئياً بسنوات الغربة الطويلة التي قضاها السودانيون بعيداً عن وطنهم.
وبالفعل استفاد عدد من المغتربين من هذا الامتياز خلال الفترة الماضية، وسارت الإجراءات بصورة طبيعية دون أزمات تذكر.
لكن ما حدث بعد ذلك يكشف بوضوح العقلية المرتبكة التي تدير بها الحكومة السودانية هذا الملف الحساس.
فجأة، وبدون أي مقدمات أو تفسير مقنع، تم إيقاف العمل بهذا الامتياز بصورة كاملة بحجة أن الحكومة تعمل على تطبيق نظام إلكتروني جديد.
هذا التبرير البيروقراطي الهش يكشف مرة أخرى حجم الفوضى الإدارية التي تضرب مؤسسات الدولة، حيث يتم تعطيل مصالح الناس بقرار واحد دون التفكير في العواقب.
كان من البديهي أن يستمر العمل بالنظام القديم إلى حين اكتمال النظام الإلكتروني الجديد، حتى لا تتضرر آلاف الأسر التي رتبت أوضاعها بناءً على القوانين السارية.
لكن حكومة بروف كامل إدريس اختارت الطريق الأسهل والأكثر قسوة: إغلاق الباب بالكامل في وجه المغتربين وتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم.
بهذا القرار المرتجل تحولت الحكومة عملياً إلى خصم مباشر للمغترب السوداني بدلاً من أن تكون جهة تحمي حقوقه وتدافع عن مصالحه.
المشكلة ليست في قرار إداري هنا أو هناك، بل في العقلية التي تنظر إلى المغترب السوداني بوصفه مصدراً للجباية فقط، لا مواطناً له حقوق يجب احترامها.
فعندما تحتاج الدولة إلى العملات الصعبة، تتجه أنظار المسؤولين فوراً نحو جيوب المغتربين، لكن عندما يتعلق الأمر بمنحهم امتيازاً بسيطاً أو تسهيلاً إجرائياً، تبدأ المتاريس البيروقراطية في الظهور.
بهذا الأسلوب المهين يتحول المغترب السوداني في نظر الحكومة إلى “بقرة حلوب” يتم استنزافها بلا رحمة كلما احتاجت الخزينة إلى المال.
المؤلم أن كثيراً من المغتربين اتخذوا قرارات مصيرية بالعودة النهائية إلى السودان اعتماداً على الامتيازات التي أعلنتها الدولة نفسها.
لكنهم فوجئوا بأن هذه القرارات الحكومية يمكن أن تتبخر في أي لحظة دون احترام لحقوق الناس أو حتى الاعتذار لهم.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد سوء إدارة، بل يعكس حالة استخفاف واضحة بعقول ملايين السودانيين الذين حملوا بلادهم في قلوبهم رغم سنوات الغربة الطويلة.
حكومة بروف كامل إدريس مطالبة اليوم بتفسير واضح وصريح لهذا العبث الإداري الذي يضرب مصالح المغتربين في الصميم.
فاستمرار هذا النهج لن يؤدي فقط إلى غضب المغتربين، بل سيدفعهم أيضاً إلى تحويل أموالهم بعيداً عن النظام المصرفي السوداني الذي فقد ثقتهم منذ زمن.
وحينها لن تكون الخسارة خسارة المغترب وحده، بل خسارة وطن كامل يفقد أحد أهم مصادر قوته الاقتصادية بسبب سياسات حكومية قصيرة النظر.
إن احترام المغترب السوداني ليس منحة من الدولة، بل واجب وطني وأخلاقي على أي حكومة تدعي أنها تمثل هذا الشعب.
أما إذا استمرت الحكومة في إدارة هذا الملف بعقلية الاستغلال والإهمال، فإنها بذلك لا تهين المغتربين فحسب، بل تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع ملايين السودانيين الذين لم يعودوا يقبلون بسياسات الإذلال والتجاهل.



