الأمل الجديد.. ثلاثة أعوام من حرب السودان… الشعب يصنع الأمل

إيمان مزمل تكتب..
في الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب اللعينة في السودان نقف اليوم نستعيد السنوات التي مضت، ونستحضر وجعًا وجرحًا غائرًا في قلب الوطن. ثلاث سنوات مرّت كأنها عمر كامل من الفقد والخوف والشتات والمعاناة، وكانت اختبارًا قاسيًا لصبر هذا الشعب البطل وصلابته.
منذ أن اندلعت نيران الحرب في قلب الوطن، إثر تمرد ميليشيا الدعم السريع، وسط دعم خارجي مكشوف تابع العالم آثاره، دخل السودان واحدة من أحلك مراحل تاريخه لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كارثة إنسانية هزّت حياة الناس، وغيّرت ملامح المدن، وفتحت أبواب المعاناة على مصاريعها.
على امتداد هذه السنوات، حملت الأيام في تفاصيلها وجعًا وألمًا لا يخففه سوى الإيمان بأن هذه الأرض تستحق الحياة، كانت سنوات مثقلة بالمآسي، حفرت في وجداننا جراحًا عميقة لم تلتئم، وكتبت في ذاكرة الوطن فصولًا موجعة من الحزن والخذلان والفقد.
شهدنا خلال هذه المحنة ما تعجز الكلمات عن وصفه: أرواح أُزهقت دون ذنب ، بيوت هُدمت فوق أحلام ساكنيها، أسرٌ تمزقت بين اللجوء ومخيمات النزوح، وأمهات حملن وجع الفقد بصبر وصمت يشبه البطولة. تمددت الحرب في تفاصيل حياتنا؛ في خوف الأطفال، وفي غياب الأحبة، وفي الشوارع التي غدت شاهدة على الخراب، وفي مدن كانت تنبض بالحياة فأثقلها الصمت.
كانت هذه الحرب امتحانًا قاسيًا لروح هذا الشعب. سعت إلى كسر إرادته، وانتزاع إيمانه بالغد، وجعل الحزن قدرًا دائمًا، لكنها كشفت في المقابل عن معدن السودانيين الحقيقي؛ شعبٌ يواجه المحن بالصبر، ويصنع من الألم قوة، ومن المحنة عزيمة لا تنكسر.
وفي الذكرى الثالثة، لا نقف فقط عند حدود الوجع، انما نشهد على قدرة هذا الوطن العجيب على النهوض. ها هو السودان، رغم كل ما مرّ به، يقاوم بعزمٍ وعناد وها هي العاصمة الخرطوم، التي صمدت في وجه العاصفة، تستعيد اليوم عافيتها وتنهض من تحت الأنقاض. عادت إليها الحياة المؤسسية، وعادت معها ملامح الدولة التي حاولت الحرب أن تطفئ نورها لكنها ظلت عصيّة على الانكسار، وتجاوزت كل محاولات الإخماد.
نعم، ما زلنا نعاني، وما زالت آثار الحرب ثقيلة على القلوب والبيوت والذاكرة، لكننا نشهد مشاهد تعجز الكلمات عن الإحاطة بجمالها: مؤسسات تعود للعمل رغم الظروف الصعبة والمعقدة، لكنها تواصل أداء دورها دون توقف، وأطفال يعودون إلى مدارسهم يملؤونها ضحكًا وحياة، وتجار يفتحون الأسواق من جديد، ومواطنون يعودون إلى ديارهم، يفتحون أبواب بيوتهم بعد غياب، يزيلون غبار الحرب عن الجدران، ويزرعون من جديد ما اقتلعته الفوضى. لا شيء يضاهي روعة هذا المشهد؛ مشهد العودة، والانتماء، واستعادة الكرامة.”.
في هذه الذكرى، نترحم على أرواح من فقدناهم، وندعو بالشفاء العاجل للجرحى والمصابين، وبعودة المفقودين، وعودة النازحين واللاجئين، وحتى المهاجرين، ليعودوا جميعًا إلى وطنهم آمنين. ونعاهد أنفسنا أن نعمر بلادنا لتنهض وتنمو وتزدهر، بما هو أفضل مما كانت عليه. ونرفع الدعاء أن يُتم الله نعمته على السودان بالأمن والسلام. فهذا الوطن، الذي قاوم كل هذا الخراب، يستحق السلام، ويستحق النهوض، وسيبقى، كما كان دائمًا، حرًا أبيًا.



