الأعمدة ومقالات الرأي

*كتبت: د. فردوس عمر عثمان أبومدينة* *جرعة وعي: نزيف الرمل والروح – غرب كردفان أنموذجا* (6)

 

*كبروا ليبلّغ تكبيركم عنّان السمّاء*

‏*كبرو فإن الله عظيم يستحق الثناء*

وفي صباح يوم الجمعة… صباح النصر والأمل، وصباح الدعاء بأن يكتب الله للقوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة والقوات المساندة لها النصر والتوفيق في جميع المحاور، وأن يتغمد الشهداء بواسع رحمته، ويمن على الجرحى بعاجل الشفاء، ويرد المفقودين إلى أهلهم سالمين.

ومع بشائر اقتراب دخول مدينتي الحبيبة النهود، مدينة الأبطال ودخول القوات المسلحة والقوات المشتركة والمساندين لها وفرسانها إلى أرض دار حمر تتجه القلوب إلى لحظة طال انتظارها وتستعيد الذاكرة أسماء رجال اختاروا الميدان عنوانا لمواقفهم، وقدّموا محبة الدار والانتصار لها على كل طموح شخصي أو مكسب عابر.

ولعل من الإنصاف أن نذكر إخوة البروف مالك يحى والشهيد خدعوك الكردفاني وذمرته وهم / المجاهد ابن المجاهد عمار النور كبير، وعبد الله علي جاد الرب وعبد المنان د الشريف ومرتضى البصيلي واخرون استشهدوا وقدموا ارواحهم فداء لتراب هذه الارض والوطن كافة على رأسهم أميرنا وعمنا الناظر الشهيد / عبد القادر منعم منصور فارس السودان ودار حمر وغيرهم من رجال الميدان الان الذين أثبتوا أن الانتماء للأرض لا يقاس بما يطلب من مواقع ولا بما يحصد من مناصب وإنما بما يبذل من جهد وتضحية وصدق الموقف. فالأوطان لا يحرسها الباحثون عن الامتيازات والمناصب وإنما يحرسها أصحاب العهد الذين يتقدمون عندما تتراجع المصالح ويثبتون عندما تشتد المحن. ونحن على مشارف إعلان تحرير محليات دار حمر وغرب كردفان كافة فإن واجب الوعي يفرض علينا أن نتوقف عند السؤال الأهم : ماذا بعد النصر؟ فتحرير الأرض على عظمته ليس نهاية المعركة، بل بداية مسؤولية أكبر مسؤولية جمع الصفوف وترميم النفوس وإعادة الثقة بين أبناء المجتمع الواحد. لقد دفعت غرب كردفان ثمنا باهظا من الدماء والنزوح والتمزق الاجتماعي، وخسرت من أبنائها وأمنها واستقرارها ما يكفي لأن نتعلم أن الكراهية لا تبني وطنا وأن الانتقام لا يرد مفقودا، ولا يجبر كسرا، ولا يعيد إلى أم ولدها أو إلى طفل أباه. إننا بحاجة إلى أن ندخل النهود وسائر مدن دار حمر وغرب كردفان جميعا بقلوب تتسع لأهلها، لا بنفوس مثقلة برغبة الثأر أن ننتصر للعدالة لا للفوضى، وأن نحتكم إلى القانون لا للأهواء، وأن نفرّق بين من تلطخت يداه بالجرائم ومن لا ذنب له إلا أنه وجد نفسه في قلب حرب لم يخترها. فلا يجوز أن تتحول معاناة الناس إلى مبرر لمعاقبة الأبرياء، ولا أن يصبح الانتصار بوابة لظلم جديد. وقد وضع القرآن الكريم قاعدة العدل فوق اعتبارات الغضب والخصومة، فقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ وهذه آية ينبغي أن تكون حاضرة في وجدان كل من يحمل مسؤولية الكلمة أو القرار أو السلاح فالعدل لا يتجزأ ولا تسقط حرمته باختلاف المواقف والانتماءات. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

والرسول الله صلى الله عليه وسلم اخبرنا : أن «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» وفي هذا المعنى، لا ينبغي أن ننسى أن النصر الحقيقي ليس في استرداد المدن وحدها، بل في استرداد أخلاقنا التي حاولت الحرب أن تنتزعها منا، وفي قدرتنا على حماية الإنسان وصون كرامته، مهما اختلفت به السبل والمواقف. ولنا في حكمة التاريخ ما يكفي من العبر فـ**«العدل أساس الملك»، و«من زرع حصد»**، ومن أراد لوطنه استقرارا مستداما، فعليه أن يزرع المحبة والإنصاف، لا بذور الثأر والانقسام. يا أبناء دار حمر وغرب كردفان، إن الأرض التي نريد تحريرها تستحق أن نعيد إليها الحياة، لا أن نفتح فيها جراحا جديدة. تستحق أن نختلف فيها دون أن نتقاتل، وأن نتنافس في إعمارها لا في إقصاء بعضنا، وأن تكون مؤسساتها للجميع، وحقوق أهلها مصونة بالقانون، وكرامة إنسانها فوق كل اعتبار. فلا تجعلوا فرحة النصر بداية لخصومة جديدة، ولا تسمحوا لجراح الأمس أن تصادر مستقبل الأبناء. لقد آن الأوان أن نتسامى على الصغائر، وأن نتعظ من الفاتورة التي دفعناها جميعا، وأن نعي أن الأوطان لا تبنى بالبندقية وحدها، وإنما تبنى بالعدل، والعلم، والتسامح، وحسن التدبير، ووحدة المصير.

اللهم احفظ السودان وأهله، واكتب النصر للجيش السوداني والقوات المشتركة والمساندين واجمع القلوب على الحق، وأطفئ نار الفتنة، وألّف بين أبناء الوطن الواحد، واجعل ما بعد هذه المحنة بداية لعهد من الأمن والعدل والعمران. فليكن دخولنا إلى أرضنا عودة للحياة، لا امتدادا للحرب وليكن النصر الذي ننتظره نصرا للأرض والإنسانية فالأرض تتسع لأبنائها جميعا، والوطن الذي ضحينا من أجله يستحق أن نلتقي فيه، لا أن نواصل الفراق على ترابه.

 

*هذا مع كامل الود والتقدير*

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى