إسماعيل شريف…يكتب : تبادل الأسرى… خطوة إنسانية قد تفتح أبواب السلام

في ظل حرب أرهقت السودان واستنزفت موارده البشرية والاقتصادية، يبرز ملف الأسرى والمحتجزين باعتباره أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً وتعقيداً. وبينما تتواصل المعارك على جبهات متعددة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، جاءت مبادرة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافستو، بشأن التعاون لتبادل أسرى الحرب بين الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع، لتعيد الأمل إلى آلاف الأسر التي تنتظر خبراً يبدد سنوات القلق والترقب.
وقد رحب وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محي الدين سالم بالمبادرة، مؤكداً استعداد الحكومة للتعاون مع الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وفقاً للإجراءات القانونية والدولية المتعارف عليها، في خطوة يرى مراقبون أنها تحمل أبعاداً إنسانية تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية.
ملف إنساني قبل أن يكون سياسياً
رغم غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد الأسرى والمحتجزين لدى الطرفين، فإن تقارير حقوقية وشهادات ميدانية متفرقة تشير إلى وجود مئات وربما آلاف المحتجزين من العسكريين والمدنيين خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن العديد من الأسر السودانية فقدت الاتصال بأبنائها منذ شهور طويلة، فيما لا تعرف بعض العائلات ما إذا كان ذووها على قيد الحياة أم لا. لذلك فإن أي خطوة باتجاه تبادل الأسرى تمثل بالنسبة لهذه الأسر نافذة أمل طال انتظارها.
ويقول خبراء في القانون الدولي الإنساني إن اتفاقيات جنيف تلزم أطراف النزاعات المسلحة بمعاملة الأسرى معاملة إنسانية وتسهيل التواصل مع ذويهم وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم، وهو ما يجعل دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر محورياً في أي عملية تبادل محتملة.
معاناة خلف الأسوار
في الحروب الطويلة لا يكون الأسر مجرد فقدان للحرية، بل يتحول إلى معاناة ممتدة تطال الأسر بأكملها. فهناك زوجات ينتظرن عودة أزواجهن، وأطفال كبروا بعيداً عن آبائهم، وآباء وأمهات يعيشون على أمل سماع خبر يطمئنهم.
ويرى مختصون في الشؤون الإنسانية أن نجاح عملية تبادل الأسرى لن يقتصر أثره على إطلاق سراح المحتجزين، بل سيمثل معالجة جزئية لجراح نفسية واجتماعية تراكمت طوال سنوات الحرب، كما سيعزز الثقة بين المجتمعات المتضررة من النزاع.
الأمم المتحدة والصليب الأحمر… وساطة ضرورية
تمتلك الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر خبرات واسعة في إدارة عمليات تبادل الأسرى في مناطق النزاعات حول العالم، حيث تلعبان دور الوسيط المحايد القادر على بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة.
ويعتقد مراقبون أن انخراط المؤسستين الدوليتين يمنح العملية قدراً أكبر من المصداقية والشفافية، خصوصاً فيما يتعلق بحصر أسماء المحتجزين والتحقق من أوضاعهم الصحية وضمان تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
كما يمكن لهذه الجهود أن تفتح الباب أمام إجراءات إنسانية أخرى مثل لم شمل الأسر، وتبادل المعلومات حول المفقودين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتأثرة بالحرب.
هل يصبح التبادل مدخلاً للسلام؟
تاريخياً، شكلت عمليات تبادل الأسرى في العديد من النزاعات حول العالم نقطة انطلاق لبناء إجراءات الثقة بين الأطراف المتحاربة. وفي السودان، قد تمثل هذه الخطوة اختباراً عملياً لإمكانية الانتقال من المواجهة العسكرية إلى الحوار حول القضايا الإنسانية الأقل تعقيداً.
ويرى محللون أن نجاح عملية التبادل يمكن أن يخلق مناخاً أكثر إيجابية يسمح بمناقشة ملفات أخرى، مثل وقف إطلاق النار المحلي، وتأمين الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وهي كلها خطوات تمهد عادة لأي عملية سلام شاملة.
لكن هؤلاء يحذرون في الوقت نفسه من المبالغة في التوقعات، إذ إن تعقيدات المشهد السوداني وتشابك المصالح العسكرية والسياسية تجعل من الصعب اعتبار ملف الأسرى وحده مدخلاً كافياً لإنهاء الحرب.
بين الأمل والواقع
تبقى مبادرة تبادل الأسرى واحدة من المبادرات القليلة التي تحظى بإجماع إنساني واسع، لأنها تتعلق بأرواح البشر وحقهم في العودة إلى أسرهم وأحبائهم. فمهما كانت الخلافات السياسية والعسكرية، يظل الأسرى والمحتجزون وجهاً من وجوه المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن فقط في عدد الأسرى الذين قد يعودون إلى منازلهم، بل في الرسالة التي تحملها أن الحوار ما زال ممكناً، وأن الاعتبارات الإنسانية يمكن أن تجد طريقها حتى في أكثر الحروب قسوة.
فإذا نجحت الأمم المتحدة والصليب الأحمر في تحويل هذه المبادرة إلى واقع ملموس، فإن آلاف السودانيين سيستقبلون أبناءهم العائدين بالدموع والفرح، وقد يكون ذلك المشهد الإنساني البسيط هو أول خيط يقود السودان نحو طريق أطول وأكثر صعوبة… طريق السلام.



