ملتقى الإعلاميين .. من ينتصر في اليوم التالي؟
رشان أوشي تكتب…
بلا شك، تحتاج بلادنا اليوم إلى منهج الحوار بقدر حاجتها إلى حسم المعركة. نعم، نحن نخوض حرباً وجودية، ومرارتها تستحق الثأر، والعدو يستحق أن يهزم ويسحق، لكن ذلك لا ينبغي أن ينصرف إلى مجتمعات السودان ولا إلى فئاته ومكوناته. فالخصومة مع من حمل السلاح ضد الدولة شيء، وتحويل الحرب إلى خصومة داخل المجتمع شيء آخر تماماً.
عاجلاً أم آجلاً، ستنتهي هذه الحرب بانتصار الشعب والدولة، لكن المعركة التالية ستكون أكثر تعقيداً، إذ كيف نعيد بناء الدولة السودانية بعد أن أصابها هذا القدر من التشظي ؟ وهنا تحديداً يصبح الحوار ضرورة وطنية.
لذلك، فإن الذين فكروا في عقد ملتقى للإعلاميين ونفذوه يستحقون التحية والثناء، بغض النظر عمن حضر ومن غاب. فالحاضرون لا يعلون على الغائبين، ولا يملكون تفويض لتمثيلهم، وغياب أحد لا ينتقص من مهنيته ولا يضعه في مرتبة أدنى من غيره. الإعلاميون الوطنيون، جميعاً، دفعوا أثماناً باهظة في هذه الحرب، وأسهموا في المعركة الوطنية كل من موقعه، كتفاً إلى كتف مع الجيش والشعب.
وأنا على يقين بأن من ابتكروا هذا الملتقى ونفذوه لم يضعوا تصنيفاً للناس، ولم ينصبوا معياراً للمفاضلة بينهم، ولم يقصدوا التقليل من الغائبين. كانت الفكرة، في تقديري، أن يجلس عدد من الإعلاميين المحليين والمشتغلين في المنصات الخارجية إلى طاولة واحدة، ليتحاوروا حول مستقبل السودان، وحول الصحافة بوصفها واحدة من ركائز الدولة والمجتمع.
وهذا في حد ذاته أمر يستحق الإشادة، ويُحسب لجهاز المخابرات العامة، ومستشارية رئيس مجلس السيادة، واتحاد الصحفيين، ولرئيسي مجلسي السيادة والوزراء.
وهذه هي المرة الثانية خلال عامين التي يجمع فيها الفريق أول عبد الفتاح البرهان أكبر قدر ممكن من أهل الرأي والكلمة، للاستماع إليهم وتنويرهم بما حدث وبما يحدث. وقد يكون هذا السلوك من أفضل ما يمكن أن تفعله السلطة في هذه المرحلة؛ لأنه يعكس إدراكاً متزايداً لحقيقة بسيطة: “الإعلام ليس ناقل للأحداث فحسب، بل شريك في تشكيل الوعي الذي سيحكم ما بعد الحرب”.
للأسف، حالت وفاة جدتي الحبيبة”رحمها الله ” دون مشاركتي في اليوم الأخير من الملتقى، فلم أحضر لقاءات رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء. ولو كنت حاضرة، لقلت لهم إن أمام الدولة ثلاث قضايا لا تحتمل التأجيل:
أولاً: الضائقة الاقتصادية التي يعيشها الشعب الصابر على الحرب لم تعد تحتمل المعالجات المؤجلة. نحتاج إلى إجراءات فورية تخفف عن الناس وطأة الأزمة، وفي مقدمتها التعامل بحسم مع تجار الأزمات، ورأسمالية الوقود والدواء والسلع الاستراتيجية.
كيف تسمح الدولة لشخص أو شخصين بأن يتحكما في قوت الناس، أو أن يتحولا إلى بوابة إجبارية للوقود والسلع الضرورية، فيُبتز المواطن في حاجته وتُحلب قدرته الشرائية حتى آخر قطرة؟. هؤلاء يحتاجون إلى دولة تعرف متى تستخدم يدها الثقيلة، ولا تتردد حين تكون مصلحة شعبها هي المعيار الوحيد.
ثانياً: إعادة النظر في البناء الدستوري والانتقالي. آن الأوان لإنهاء الأوضاع الدستورية الشائهة التي تستنزف موارد الدولة في محاصصات لا تنتج دولة ولا تحمي وطن. من أراد أن يقاتل من أجل تحرير السودان فمكانه الميدان، أما إدارة مستقبل السودانيين فهي مسؤولية أخرى، لا ينبغي أن تخضع للمجاملة أو المكافأة السياسية.
السودان يحتاج إلى مؤسسات انتقالية حقيقية، وإلى برلمان قوي يمارس رقابة صارمة على أداء الدولة، ويكافح شبكات الفساد، ويراقب المال العام، ويضع السلطة أمام مسؤولياتها.
ثالثًا: تحويل علاقات السودان الخارجية إلى شراكات إنتاج وليس طوابير إغاثة. نحن اليوم أمام علاقات إقليمية يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للاقتصاد السوداني، وفي مقدمتها العلاقة مع المملكة العربية السعودية. فلماذا نستهلك هذه العلاقة في توفير الاحتياجات الآنية فقط، بينما يمتلك السودان ما يكفي لصناعة شراكة استراتيجية طويلة المدى؟.
لماذا لا نفتح أبواب الاستثمار الزراعي والحيواني أمام الشركات السعودية، ونبني مشروع مشترك للأمن الغذائي، يستفيد منه البلدان؟ أمامنا موسم 2027، ويمكن أن تتحول الزراعة السودانية فيه إلى مشروع قومي واسع، تتضاعف خلاله المساحات المزروعة باستخدام التقنيات الحديثة، وتُوظف فيه الموارد السودانية ورأس المال والخبرة السعودية في إنتاج غذاء يعود بالنفع على السودان والمملكة معاً.هذه هي الشراكات التي تصنع المستقبل؛بدلاً عن الحلول المؤقتة التي تنتهي بانتهاء الأزمة.
أما الصحافة، فعليها أن تدرك أن عليها مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الدولة.نحن بحاجة إلى صحافة تقوم بدورها الحقيقي في التنوير والرقابة، وتناقش القضايا بمسؤولية وطنية، بعيداً عن الذاتية المفرطة، وعن معارك الأشخاص، وعن النزاع حول شكليات لا تقدم للناس خبز ولا دواء ولا دولة.
أمام الإعلام السوداني اليوم فرصة ذهبية لأداء دوره الرقابي. ومساحة الحريات المتاحة الآن، مهما اتسعت أو ضاقت، قد لا تتكرر بالطريقة نفسها في المستقبل. لذلك فإن استقلالها وحمايتها وحسن استخدامها مسؤولية الصحافيين أنفسهم.
الفرص التاريخية لا تأتي مرتين. ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله الآن هو أن نهدر فرصة الحوار في معارك جانبية، بينما البلاد تحتاج إلى أن يسمع السودانيون بعضهم بعضاً.
محبتي واحترامي لكل زملائي الذين شاركوا في الملتقى، والغائبين عن المشاركة، لا أحد يحتكر الوطنية، ولا أحد يملك وحده شرف التضحية، جميعنا، من مواقعنا المختلفة، خضنا معركة العزة والكرامة.
ونأمل أن يستمر هذا الحوار، وأن تتسع دوائره، وأن تدرك الدولة أن اهتمامها بالرأي والكلمة ليس مجاملة للإعلام، وإنما استثمار في مستقبل السودان. فالحرب قد تحسمها البندقية،لكن بناء الدولة لا يحسمه إلا الحوار.
محبتي واحترامي



